مواصيل ممطره . .

Way one

عضو مخضرم
كان كلام الطبيب مؤثرا" في نفسي ، جلست ساعات و أنا افكر ، واضح أن معنى كلام الطبيب أنني متجه للهاوية الأخيرة ، الحق الحقيفي بعد الحياة ، يبدو أنه قد أزف الوقت و وقفت على أعتاب الوداع الأخير ، وجدت أنه لزاما" علي و منطقيا" أيضا" أن أعترف أن الله أسبغ علي نعمه عظيمة من نعمه التي لاتعد و لاتحصى ، الآن تم تنبيهي لإنتظار الموت و أنا رغم المرض لكني أتمتع بقواي العقلية ، و بإمكاني تدارك مايمكن تداركه قبل الدخول إلى بوابة الموت ، و مسح أسمي من سجل الأحياء ، يالها من نعمه و ياله من حظ عظيم ، الحمد لله كما ينبغي لعظيم سلطانك ..

أستجمعت قواي و بعد تفكير قررت العودة للكويت للموت هناك ، لا ارغب في الموت في هذه البلاد الغربية الباردة ، التي رغم جمالها إلا أنها لاتساوي حبة رمل من رمال بلدي الحبيب الكويت ..

أتصلت بالطبيب و ابلغته أن لاداعي لذهابي لمستشفى فيينا ، فقد قررت الذهاب لفيينا إنما للمطار و ليس للمستشفى ، حيث سأستقل طريق الجو لديرة الطيبين ، فقال لي بأن حالتي لاتسمح بمحهود السفر الذي قد يؤثر سلبا" ، ضحكت وقلت مادام الامر تم تشخيصه بأمه لا أمل من الحياة ، ليكن قراري الآن هو مواجهة هذا الامر بما يستحق مادمت متجها" لا محال إلى الموت ..

حجزت و تيسرت أموري بشكل ممتاز حيث تمت حجوزات السفر بسهولة رغم مشكلات الكوفيد 19 و تبعثر الرحلات و اختلاف الاوضاع عما قبل الكوفيد ..

غدا" سأكون في فيينا الباردة ، و بعد ثلاثة أيام سأكون في المطار متجها" لبلدي للموت هناك و أنا لله و إنا إليه راجعون . و الحمد لله من قبل و من بعد ..

و ماتدري نفس بأي ارض تموت . هل سألحق و اكتب التدوينة القادمة هنا ، أم سأكون بضيافة أرحم الراحمين و أكرم الأكرمين ..

أستودعكم الرحمن الذي لاتضيع ودائعه ..


. . .
 

Way one

عضو مخضرم
وصلت فيينا في صباح بارد جدا" ، أشعر أن الشوارع باهتة ، و وجوه الماره يلسعها البرد ، و في المستشفى بالعاصمة ابلغني الطبيب بخطأ قرار العودة لبلدي و بأن حالتي قد لاتتحمل السفر . و الأفضل البقاء هنا لمواصلة البرنامج العلاجي . أبلغته بأنني أنهيت حجوزات السفر و الوضع لم يعد مجالا" للنقاش . فقال ما انهيته بإستطاعتك إلغاءه لأن الصحة أهم بكثير من سفر خاطئ قد يكلفك الكثير ، قلت لقد تم إبلاغي مامعناه إني متوجه للموت و لا أمل في الحياة . إذن منطقيا" يادكتور مالذي يجعلني أمكث هنا ؟ اموت في وطني و وسط الأحبة أفضل و أريح نفسيا" . على الأقل بين مسلمين ( قلتها ضاحكا" )

أبتسم الطبيب و بادلني الضحكة بضحكة أخرى و قال هل تضمن إنك ستموت بمجرد وصولك الكويت ، قد تبقى حيا" و تزعج الممرضات الحسناوات سنين عديدة بينما نحن من نتواجه مع الموت ( كان يضحك أثناء حديثه ) بادلته الضحكة و قلت بأنني مؤمن بأن الساعة علمها عند الله ، لكن التقارير الطبية تؤكد أن خطوات الحجز إلى القبر مازالت في دورتها الروتينية !

حاول الطبيب أن يثنيني عن قرار قطع العلاج و العودة لبلدي ، في خطوة أستسلامية واضحة للأمر الواقع ، و الحقيقة أنها ليست أستسلامية و لكنه أمر واقع ، فقد ثبت وفقا" لتقارير الاطباء أن لا شفاء على المؤشرات العلاج ، إذن فمالذي يجعلني أمكث هنا . اعود لبلدي و أواجه الموت و انا مستعد و مرتاح !

و أنا مقتنع تماما" بأن الساعة علمها عند الله ، و أصدق الشافعي عندما قال :

كم من صحيح مات من دون . . . علة
و كم من سقيم عاش حينا" من الدهر . .


. .
 

Way one

عضو مخضرم
تيقنت من الحجوزات لرحلة جوية متعبة إلى بلدي ، و بأن الوضع لاغبار عليه ، فيما استمر الطبيب بمحاولة اقناعي بعدم السفر لخطورته على حالتي ، و بعدها بيومين زارني أحد الأحبة و أبلغني بصعوبة السفر بالنسبة لحالتي ، و بأن الافضل و الأسلم المكوث في فيينا ، و الله يجعل في الأمر خير !

كان واقعا" حزينا" مؤلما"على نفسي ، فوق آلام المرض ، إنما عندما علمت بحقيقة الوضع وجدت أنني ضحية للإجراءات المتبعة لمواجهة كوفيد 19 !

لا أعلم كيف لكن بدر شيئا" من التحسن الطفيف على حالتي ، بعد توفيق الله و جهود الهيئة الطبية الجبارة ، الذين لم يفارقونني لحظة منذ وطئت فيينا ، بالطبع قد يتوقع القارئ أن السبب في الرعاية الطيبة المميزة هو مقدار المال المدفوع و في الحقيقة أن العلاج مجانا" حتى لاتذهب الظنون بعيدا" ، تعامل إحترافي قل نظيرة تبارك الله .

طلبت جهاز لقراءة ماتيسر من القرآن الكريم و أتذكر أني توقفت عند بداية الجزء 28 و سورة المجادلة ، أسأل الله القبول لي و لك ..

يبدو أني أصبحت أمام حقيقة واقعة ، و بأن إقامتي ستطول في ليالي فيينا التي قطعا" ليست بليالي أنس ، آنسنا الله و أياكم ..

كنت في الايام الماضية في تحضيرات و أتصالات و توقعات للسفر رغم مرضي ، و الآن أستتب الامر و تبين الخيط الأبيض من الأسود و بأن الإقامة ستطول ، لعل في الامر خير ..

أحدى الممرضات من أصل عربي من إحدى دول شمال أفريقيا لاحظت عليها رغم حسنها الظاهر إلا أنها تتصرف معي بإهتمام ملحوظ ، فهمت بعد ذلك بأن سبب الأهتمام أنها وجدتني أقرأ القرآن أكثر من مره . يالهيبة القرآن و يالبركة كتاب الله ..

سألتها عن وجود مصحف معها فقالت أنها لاتبدأ يومها إلا بقراءة صفحة على الاقل ، تبارك الله ..


...
 

Way one

عضو مخضرم
كانت لحظة مؤلمة لنفسي عندما تيقنت من أستحالة السفر ، كان الوضع أشبه بالكماشة ، أستوعبت الأمر على طريقة مجبرا" أخاك لابطل ، و بدأت بالتأقلم مع إجراءات جديدة ، و بروتوكول علاجي جديد ، أكتب هذه الكلمات و أنا بحال لم أتعرض لها طوال عمري ، حال سيئة جدا" صحيا" و نفسيا" و أنذكر قوله تعالى : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (الشعراء _ 80).

لا أعلم أكتب عن ماذا أو ماذا ، عن الألم ، الوجع ، الحزن ، و تقلبات الظروف من سيئ إلى أسوء ؟

أسئلة لكن الأكيد أنها منطقيا" صعبة الجواب الشافي !

. . .
 

Way one

عضو مخضرم
مضت أيام و أنا في وضع شبه ميؤوس منه ، لاشك أحمد الله على كل حال ، و أمر المسلم كله خير ، و الحمد لله الإنسان لما يرى غيره تهون عليه حالته ..

أتعبتني كثرة الحقن و العلاجات ، ربما ماخفف عني الاثر هو طريقة التعامل الأنسانية من الأطباء و الممرضين ، لكن الألم يوما" عن يوم يتضاعف ، سألت الطبيب : هل سأستمر هكذا طول ماتبقى لي من عمر ؟ هل سأبقى ماحييت في فيينا ، و لن أعود للكويت إلا في تابوت ؟

أبتسم برقة و قال : لا لا بل حالتك تتحسن حسب المؤشرات الطبية إنما ببطء ، و أفضل بكثير من حالتك قبل فترة ، و الآلام طبيعية لكننا نحاول ما استطعنا تخفيفها عليك ، و ستعود للكويت و انت تسير على قدميك و ستبعث لي هدية جميلة من بلادك ( قالها مبتسما" و هو يضع يده الحانية على رأسي )

أبتسمت له مقدرا" شعوره الأنساني و لكنني في قرارة نفسي لست مقتنعا" بما يقول ، صحيح أني لا اكذبه لكن يقولون : راع العلة أعرف من الطبيب !

و بعد أيام أتى نفس الطبيب و هو شاب نمساوي ، و أبلغني بأن يوم غدا" سيتم عرضي على مجموعة أستشاريين للنظر في حالتي و تقديم التوصيات اللازمة ، و من ضمن ماقال لي أن الذين سأعرض عليهم هم تقريبا" نخبة الأطباء المتخصصين و هم من كلية الطب بجامعة في العاصمة فيينا . و أن تقريرا" شاملا" عن حالتي موجود لدى كلا" من أفراد الفريق الطبي ، فقط يريدون رؤيتي على الطبيعة حتى تتم معاينة حالتي حضوريا" .

و بأنتظار غدا" . . .

. . .
 

Way one

عضو مخضرم
أعتذر للقارئ الكريم عن التأخر في كتابة الإدراجات في هذا الموضوع الذي أحاول قدر الإمكان أن أقدم فيه عملا" أدبيا" يليق بالقارئ الكريم ..

و أعتذر عن ضعف النص كوني لست متخصصا" في مثل هذا النوع من الكتابة الأدبية ، و القارئ الكريم إن شاء الله كريم و يعذر


شكرا" جزيلا" 🌹
 

Way one

عضو مخضرم
في اليوم ماقبل العرض على اللجنة المختصة ، كان النوم بعيدا" عني ، حاولت أنام و لايأتي النوم ، هل هو أرق أم إنشغال ذهني ؟

طرأ علي القرآن الكريم ، و للأسف في حال لاتسمح لي بقراءة المصحف ، فقررت قراءة سرية بيني و بين نفسي لعدد من الآيات التي أحفظها ، أغمضت عيني و بدأت بآيات من سورة إبراهيم ، و لله الحمد من قبل و من بعد لم أشعر بنفسي إلا صباح الغد حيث أيقظني موعد الحقنة المقررة ، و الحمد لله الذي أحيانا بعد مماتنا و إليه النشور ..

أبلغنني الممرضة بأن الطبيب سيأتي بعد قليل للنظر و مرافقتي لإجتماع اللجنة ، و تجهزت لذلك ..

أتى الطبيب كعادته مبتسما" و أبلغني بالذهاب الآن لقاعة إجتماع اللجنة ، و أخذت سريرا" آخر ، و تم تغطية جسدي بغطاء طبي و مضينا إلى القاعة التي تقع في الدور الرابع من المبنى الكبير للمستشفى ..

وصلنا و تم إدخالي مباشرة ، و كانت اللجنة مكونة حسبما شاهدت من طبيبتين و طبيب ، إستمرت الجلسة التي تخللها فحوصات و نقاشات و الذهاب مرتين لغرفة الأشعة ، تقريبا" كان وقت الجلسة أو الإجتماع ساعتين و قليل ، و هو وقت يعتبر طويل نسبيا" في مثل هذه الأمور ..

تم السماح لي بالعودة للجناح بعد الإجتماع المتعب ، و في أثناء العودة للجناح كان الطبيب يرافقني ، سألته : مالخبر مالخطب يادكتور ؟

قال : كما توقعت الامور تتجه للأفضل و وضعك يتحسن جدا" ، و بإنتظار يوم غدا" لإصدار التقرير الرسمي لإجتماع لللجنة ..

قلت .. حسنا" .. الأمر لله من قبل و من بعد . . . .


..
 
أعلى