مواصيل ممطره . .

Way one

عضو مخضرم
إنتظار اليوم التالي كان طويل ، الإنتظار لمن في مثل حالتي هم فوق همي الحالي ، و المرض و اليأس إلا من رحمة الله ، جاء الوقت الموعود ، و قبله بقليل أتصل علي الطبيب الذي سمح لي بالإذن و كلمني يطلب مني ألا انسى التواصل معه ، كان مخلصا" في عمله ، ودودا" في تعامله معي ، و بالفعل بعد الإجراءات تم الإذن و خرجت و معي حقيبة صغيرة فيها ضروريات الخروج و الإقامة خارج المستشفى لليلة واحدة ..

أشعر بشعور السجين الذي يخرج من السجن لأول مرة ، مشاعر صعب ترجمتها كتابيا" ، لكنه شعور مزدوج سعادة بالخروج و حزن من حال المرض ، كانت الأجواء في المدينة تشيئ بجو صيفي معتدل ، أجواء لطيفة ، جديرة للسير مسافات ، و للتسوق ، و حتى لتذوق الأكل اللبناني !

بعد مشي عدة دقائق ، قررت أن أستقل التاكسي للإتجاه لمطعم لبناني يبعد تقريبا" ربع ساعة بالسيارة ، وصلت المطعم ، و رغم الإحترازات الصحية بسبب كورونا ( كما كنت اتوقع ) إلا ان المطعم مكتظ بالزبائن ، و أستقبلني أحد العاملين بأدب و أشر لي بإحدى الطاولات ، و جلست و اتى بقائمة الطعام ، و طلبت الطلب و قبله طلبت فنجانا"" من القهوة ، قلت له : لو سمحت تكون وسط !

كنت أختلس النظرات من هنا وهناك ، هذا يأكل بشراهه ، و تلك ترتشف كأس الشاي بهدوء ، و هذا يناظر تلك ، و تلك تناظر هذا ، و كرة ارضية تجتمع هنا في المقهى بفيينا ، و يبدو ان ليالي الانس مايزال أثرها في فيينا !

جاءت إلي إحدى النادلات و هي من اللغة واللهجة لبنانية ، رحبت بي بحرارة ( كأي زبون طبعا" ) و أشرت على الزحمة و هي تبتسم ، و بصراحة فيها جمال أسرني ، حتى أني نسيت المرض ، و المستشفى ، و تعليمات الطبيب ، و طلب المقبلات و الحمص و التبولة ، و تذكرت ابو نوره :

تفرغت لك . . يا كامل الزين بلحالك
تقل غيرك من الناس ماهم بحييني . .

إي والله . كأن غيرها من الناس ليسوا موجودين ، و لا كأنهم خلقوا
اووف ، أنا وين و هالامور وين ، و ياليل خبرني عن أمر المعاناة !

لاطفتها ، تحدثت معها قليلا" ، و الحقيقة إني لمحت لها قليلا" ، لم يكن حدثت مشترك بين نادلة جميلة ، و زبون أنتشر المرض في جسده ، بل كان اللقاء بين الأمل و اليأس !

قلت لها : أتعلمين أنك بالنسبة لي شئ من الأقدار ، آه لو تعلمين عن حالتي ؟
قالت : التعب يبرز تفاصيله على صفحات وجهك ، لكن هل تستطيع أن تتناول العشق مثلما تتناول الأدوية التي فضح وجودها الكيس الشفاف الذي بحوزتك ؟

قلت : ليس الكيس هو فقط الشفاف ، حتى مسافات الخطاب الغرامي شفافه ، و ابتسمت ..و أستأذنت لتكملة عملها مع زبون آخر ، بالتأكيد لن يحمل شفافية المشاعر مثل الزبون الذي تحدثت معه الشفافية !

في حالة مثل حالتي ، و كرجل تعود على مشاهدة وجوه العرب ، ثم إنقطع عنها ، و أصبحت مشاهدات الوجوه فقط للأجانب ، أعتقد و هنا أؤكد على " أعتقد " ان الموضوع لاعلاقة له بجمال النادلة بل بجمال السحنة العربية ، و اللغة العربية ، و اللهجة العربية ، شئ كنت أفتقده ، ثم اتى على شكل نادلة لبنانية جميلة ، أعتقد ان الموضوع له علاقة بحالتي النفسية ، و ليس للجمال ، ففي المستشفى جميلات يفوقنها جمال ، لكن بلا روح عربية !
المربى قتال .. و الشوق لأمرأة عربية أتى بها القدر على هيئة " نادلة " !
هل هو حظ لها ، ام لي ؟

أثناء الحوار كنت أشعر و كأننا انا و هي لوحدنا ، لعلي ارتكبت خطأ بإشغالها عن شغلها ، و لا اعلم كيف أعتذر ، هل أضع " إكرامية " مع الفاتورة ؟

ممكن . . . ليه لأ !

. . .
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
خرجت من المقهى او المطعم ( سمه ماشئت ) كنت أشعر بجرعة معنوية إيجابية كبيرة بعد الخروج ، سيما و أنني رأيت وجوها" عربية ، و منها تلك النادلة الفاتنة !

أثناء توجهي للنزل الصغير الذي أعتدت على الإقامة به إذا أتيت فيينا ، كنت أشاهد الوجوه و الماره ، هذا ذاهب ، و ذاك آتي ، و الله أعلم بهموم كل شخص ، البعض يظهر السعادة و هو يحمل هموم الأرض ، و العكس قد يكون صحيح ، إنها حياة البشر ، لها فلسفة خاصة ، تقنياتها ليس كل مختص بإمكانه فك شفرتها ، و يالله الستر و الخيره ..

لم لا اعيش اللحظة قبل إسدال الستار ؟
لم لا اتنعم بحياة لو كانت مزيفة ؟
لم لا اعيش الزيف على حقيقته ؟ و هل للزيف و التزييف حقيقة ؟

سألت سريعا" و علمت ان هناك فندقا" من فئة 5 نجوم قريبا" من دار الاوبرا و شارع التسوق الرئيسي هو الذي نستطيع ان نسميه الافخم في العاصمة ، لكن هل اجد حجزا" هذه الليلة ، و ماذا عن إجراءات كوفيد 19 ؟

تواصلت مع الفندق الكترونيا" و وجدت الامر سهلا" و لايستدعي التوقع الذي توقعته ، سارت إجراءات الحجز بيسر ، لأن كل شئ ألكترونيا" مما سهل الامر ، فلم يبق سوى استلام كارت الغرفة للإقامة بها ..

ذهبت إلى النزل الصغير الذي حجزته مسبقا" و ابلغت الإستقبال بإلغاء الحجز و اخذ الحقيبة المؤمنة بالفندق ، و للحق كان التعامل سهلا" جدا" ، و مريحا" لي ، لم تكن ثمة أسئلة أو سنخصم منك المبلغ الفلاني ، بل كان الرقي عنوان الموقف ..

أخذت تاكسي و توجهت للفندق العاصمي الفخم ذو الخمسة نجوم ، و لاشك الوضع مختلف تماما" عن الفندق او النزل الصغير الذي كنت قد حجزته سابقا" ، فخامة ، شئ فوق المتصور ، لن اقول اكثر ، إنما تصور انك في أفخم فندق و في فيينا ..

كانت إجراءات الإستقبال و الضيافة رائعة ، عند وصولي الغرفة المطلة على مناظر رائعة ، كانت الفخامة و النظافة سيدة الموقف ، أيضا" باقة ورد أنيقة و صغيرة ، و سلة فاكهة لذيذة ، الغرفة من تراها تشعر إنك صاحب المعالي او صاحب السعادة ، شئ يفوق الوصف !

لكن .. و آه من لكن .. غرفة بهذه الفخامة و لوحدي ؟!

آه . . ثم آه . . . . . .

تذكرت غرفة المستشفى ، و الأجهزة الطبية ، و مشاهدة المرضى و الممرضين ، و الاطباء ، كنت أشعر كأني في سجن كبير ، لا مقارنة على الإطلاق بين غرفة المستشفى و هذه الغرفة الفخمة !

لكنه التغيير بالأجواء ، بالروتين ، بالوضع العام ، اعتقد انه يحقق دفعة إيجابية ، قد يقول قائل لكنك مريض قد تحتاج المستشفى بأي لحظة ؟
صحيح . و ابلغت الفندق بذلك ، و كان التجاوب جيدا" ، إذ يوجد طبيب طوال اليوم بالمستشفى لمثل هذه الحالات ..
هي بادرة شخصية للتغيير ، سمها ماشئت ، انتقدها ، أمتدحها ، بالنهاية انا الذي أشعر بنفسي أكثر من غيري !

بصراحة مجرد الجلوس في الغرفة يعتبر سياحة ، قد يقول القارئ أني لاول مرة اعيش هذه الاجواء ، لا والله كثيرا" مامررت بمثل هذه الفنادق ، لكن الفارق أني أتيت الآن و في ظروف خاصة و إقامة طويلة من مستشفى إلى مستشفى ، لكن الامر يفرق على الاقل نفسيا" ، كنت بالفعل في حاجة للتغيير ، و تبدل الروتين ، كانت ليلة هادئة لم ينقصها إلا . . . .

مريض .. و عينه قوية !

. . . .
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
كانت الإقامة القصيرة جدا" في الفندق الفخم ( ليلة واحدة فقط بسبب إرتباط العودة غدا" للمستشفى ) ذات دافع معنوي كبير ، شعرت بتغير في كل شئ ، قد لاتصدق أنه حتى في الإفطار الصباحي كنت اتجول في البوفيه المفتوح بكل أريحية ، و لا كأني احمل داءا" مؤلما" ، صحيح كنت أشعر بأمور لكنها لم توقفني ، الدافع التفسي كان اقوى من المانع الجسدي ، كنت أشعر و كأني اسابق الوقت للنيل اكثر و أكثر منه !
و هل هناك من يسبق الوقت ؟

أثتاء وجودي في قاعة الطعام ، صادفت وجها" تتبين من السحنة عروبته ، فتذكرت مقوله للساخر الكبير محمود السعدني في إحدى كتاباته يصف حال العرب في المقهى ، إذ يقول بما معناه : إنك في مصر لن تعاني من الوحده ، حتى لو كنت لوحدك ، فقط مر بجانب أي مقهى و ألق التحية و ستجد من يردها ، ثم أسأله عن حال الجو اليوم فسيكون متجهزا" للرد ، و فجأة تجد نفسك جالسا" بجانبه ترتشف الشاي و تتحدثون في كل شئ و أي شئ على اعتبار إنكما تفهمان كل حاجة و أي حاجة !

ابتسمت بداخلي عندما تذكرت السعدني رحمه الله ، فقررت ان أعمل بمقولته ، فمررت بجانب المشتبه به كعربي ( كأني أتحرش ! ) و ألقيت السلام بالعربية ، و رد السلام بالعربية ، فسألته عن الأجواء الرائعة صباح هذا اليوم ، و رد علي برأيه حول ذلك ، افترقنا بعد ساعة و قليل بعد تبادل عدة احاديث في كل شئ و أي شئ ، بدء من الفرق بين الأجواء النمساوية و الأجواء في الخليج ، مرورا" بمقارنة الكيك الانجليزي في البوفيه و بينه في بلده الأصلي بإنجلترا ، نهاية بأوضاع افغانستان و ما آلت إليه الامور ، و لو أستمر الوضع لربما تباحثنا عن علاقة طه حسين بالشعر الجاهلي ، أو عن أغنية محمد عبده الاخيره !

بعد للبوفيه العامر بملذات الطعام ، و تناول القهوة الفرنسية بقلب العاصمة النمساوية ، ذهبت للغرفة و كتبت هذه الكلمات ، و انتظر الساعة الثانية ظهرا" موعد الخروج من الفندق و بعده الإتجاه للمستشفى ..

خلال اليوم و النصف الإجازه كنت متواصلا" مع الطبيب عبر الإتصال ، و كذلك كنت اواضب على إدراك موعد الدواء ، و الآن اشعر اني إنسان مختلف و إن قليلا" عن الإنسان الذي خرج بالأمس من المستشفى ، و طلبت من الطبيب تمديد وقت الإجازة لو ساعتين لتكون فرصة للذهاب للمطعم اللبناني ( ماغيره مطعم النادلة الجميلة ! ) لكنه اصر على وجودي بالمستشفى بالموعد المحدد ، متذرعا" بإنتظار الممرضة و الطبيب المناوب لي لأخذ فحص سريع بعد الوصول مباشرة ..

وصلت المستشفى بالفعل ، و بدأت و انتهت إجراءات الدخول و الفحص بدقائق قليلة ، كان كل شئ مهيأ ، و ذهبت لغرفتي المعتادة المطلة على الحديقة الجميلة ، أشعر اليوم كأني عائد من سفر مريح ، و رحلة جميلة ..

. . . .
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
تمضي الأيام .. و الأسابيع .. و الحال لايتغير ، و إن تغير للأسوء ، أغمض عيني و لا أفتحها إلا بعد أيام و ربما أسابيع و لا أعلم مالذي يجري في الخارج ، و أخبار الدنيا و أهل الدنيا ، و القريبين و البعيدين ، أحيانا" حتى التحدث صعب ، و النطق الصوتي عزيز ، أتجول بعيني في مسافات و زوايا الغرفة الكئيبة ، أناظر مزهرية صغيرة فيها ورد ، و أتخيله معبرا" عن حياة الخارج ، حياة الخارج ورد و ورود و جياة الداخل أدوية و أبر تغرز جسدي المنهك ، أصبحت لم اعد أعرف هل اليوم السبت أم الاربعاء أو كما سمعت أنه الأثنين !
خلال اليومين الماضيين شعرت بتحسن طفيف ، تمنيت على الطبيب المباشر ( لأول مره أشاهده ، يبدو انه أتى أثناء فترة الغيبوبة ! ) أن يسمح لي بالسير مشيا" لو قليلا" و داخل الجناح لا خارجه ، كنت أشعر برغبة شديدة للمشي ، فأعتذر بأدب و قال تحتاج تمارين خفيفة أثناء وجودك على السرير ، إلى أن يسمح لك الممرض المسئول عن السماح من عدمه ، و الواقع ان تمارين السرير هي تحريك للمفاصل و للرجلين و الأيدي ،مع تدليك طبي ، و حسب مافهت احتاج وقت قصير لايزيد عن يومين لأخذ السماح للسير داخل الجناح !
الغرفة التي أقطن بها الآن ليست الغرفة التي كنت بها قبل الغيبوبة ، واضح أنه تم تغيير الغرفة ، لكنها نفس حال الغرفة السابقة ، لا جديد يذكر ..
. . . .
 

Way one

عضو مخضرم
فعلا" بعد يومين تم السماح لي بالمشي مع إعطائي عصا للإتكاء عليها ( نسميها بلهجتنا : باكوره ) و عندما بدأت المشي اولا" داخل الغرفة وجدت اني لست بحاجة عصا الإتكاء ، صحيح المشي كان بصعوبة لكني أستطيعه بلا عصا ، و قليلا" قليلا" مز المشي حتى استطعت بفضل الرحمن الرحيم ان استكمل خطوات المشي بالسير في ردهات الجناح .. و ممراته ..

أيضا" تم تغيير وجبات الطعام حيث لاحظت التركيز على السوائل ، و طلبت من الطبيب أعطائي فكرة عن الاغذية التي بإمكاني تناولها فإبتسم و هز رأسه !
لم أفهمه .. و صمتت بعدها ! ماباليد حيله !

إحدى الممرضات كانت لطيفة معي سألتني عن هواياتي و هل أحب القراءة أو الموسيقى ؟

فأحببت أن ( أحارشها ! ) قلت أحب سماع موتستارت ، و ابتسمت بجمال وجهها و هتفت : واوو موتسارت رائع ..

أكملت و قلت احب قراءة شكسبير و فلسفة هيغل و ديكارت ، فاكملت الواو بواوات أكثر !

و الحقيقة اني لا أحرص على موتسارت و لا أقرأ بجدية لهيغل او ديكارت .. لكننا بني يعرب نعشق المجاملات !

. . .
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
📌 أعود من جديد لمحاولة تكملة قصة المريض " ناصر " .. و هي بالطبع قصة خيالية . ليس لها وجود على ارض الواقع قطعيا" ..

و هذه دعوة لأي من يستطيع ان يشارك بتكملة القصة .. بإمكان أي راغب ان يكمل القصة . لعله أضاف إليها إضافات أفضل من الكاتب الأصلي ..و بالنهاية هي تسلية كتابية و إستفادة لكسب خبرة في كتابة القصص القصيرة او تمرين على كتابة الروايات

أرجو ان يتقبل الجميع فائق التقدير 🌹
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
مضت أيام قليلة و الحال يتحسن بشكل طفيف و لكنه مشجع و مريح ، بدأت تغييرات في برنامج الوجبات الغذائية ، كذلك تم تخصيص وقت على ثلاث فترات يوميا" لممارسة المشي داخل ممرات الجناح بصحبة أحد الممرضين ، بدأت بالقراءة ( عندي عدد قليل جدا" من الكتب ) بالنسخ الورقية حيث أبلغني الطبيب بضرورة عدم قراءة الكتب الألكترونية ( يقصد الطبيب ألا أقرأ كتبا" ألكترونية بصيغة PDF بالآيباد و ذلك لطول زمن القراءة ، و يبدو أنه بسبب تأثير الشاشة الألكترونية للجهاز ) ، لله الحمد التغييرات جلها إيجابي ، حتى وضع البروتوكول الطبي تغير ، إذ تم تخفيف بعض الجرعات و الادوية ..
طلبت من الطبيب أن يسمح لي بالجلوس في الردهة المقابلة للشارع الرئيسي الخارجي للمستشفى ( لإن بها نوافذ كبيرة أستطيع عبرها رؤية و مشاهدة الشارع والمارة و تفاصيل حياة الخارج ) فوافق الطبيب و ابلغ الممرض بأن يوصلني للردهة لمدة ساعة و نصف يوميا" وقت المغرب ، و كانت من أجمل الجلسات عندما أجلس مناظرا" للشارع و المارة ، و متابعة الناس ، و بدأت ادقق حتى في لباس و سحنة المارة !
هذا أكيد لاتيني ، لاشك هذا سحنتة عربية ، أما هذه أقرب ماتكون من بلاد اوروبا الشرقية ، و هكذا ، و من خلال متابعة الأخبار علمت أن فيروس كوفيد 19 عاد لينتشر من جديد في المدينة ، و بأن إغلاقا" عاما" سيبدأ بعد أيام قليلة و إحتمال يستمر عشرون يوما" !
يالهذه الكورونا التي لم تبقي و تذر !
مشاهدة شوارع فيينا الجميلة في اول المساء أمر ممتع ، افتقدت مشاهدة الناس منذ زمن ، و عندما أشاهد الناس أشعر بالمتعة النفسية ، و كأن كل وجه من وجوه الناس يريل لي رسالة محبة و سلام . . هكذا أشعر و أحس !
أناظر إحداهن بصمت و هي تصور بالموبايل نفسها بأوضاع مختلفة ، و أتخيل تلك السمراء و شعرها الثائر ، و أتذكر أغنية أبو نوره من كلمات البدر :
أرفض .. المسافة
والسور .. والباب والحارس ..
آه أنا الجالس ورى ظهر النهار ..
ينفض أغبار .. ذكرى
أرفض .. يكون الإنتظار .. بكرا
أبسقي ..عطش قلبي اليابس..
على اشفاهي ..
بقول أحبك ..
. . . . .
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
مضت أيام و الأحوال تتحسن بشكل مريح ، و أصبحت أمارس المشي في الممرات حتى بدون وجود مساعد ( الممرض ) أشعر أن حتى النفسية تعدلت للأفضل ، حتى الادوبة بدأ الطبيب بتخفيفها أكثر ،علامات التحسن هي الفارقة بالوضع العام ، يبدو لي أن الحالة النفسية هي المحرك الرئيسي للتحسنات بالوضع ، و بالطبع قبل ذلك فضل و قدرة رب العالمين . .
مر الطبيب علي في المعاينة الإعتيادية ، و تمنيت عليه ان يسمح لي للخروج للسير مشيا" في البهو الخارجي للمستشفى ( البهو الخارجي للمستشفى عبارة عن حديقة صغيرة غناء رائعة الجمال ) فأبتسم قائلا" : ناصر .. كأنك تقرأ افكاري ، مسموح لك ساعتين يوميا" ساعة نهارا" و ساعة في المساء ، و إن أستمر التحسن ستتغير الإجراءات لمزيد من الراحة لك ..
منذ أكثر من شهرين لم اغادر الغرفة ، أصلا" لم أشم رائحة الجو الطبيعي ، آه ما أجمل أن اتنفي هواءا" طبيعيا" !
كانت الساعة الأولى رائعة بكل تفاصيلها ، أخذت معي للساحة في البهو كوبا" من القهوة الساخنة مع كيك أنجليزي ، كنت أتنفس و أكاد أطير من الفرح ، ما اجمل الأنفاس الطبيعية !
و أتذكر صديقي البدر :


أنفاسنا ماغدت انفاس
من حرها دوم مكتومة . .
. . . . . .
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
أستمرت الخروجيات لساحة البهو يوميا" ، و أيضا" أستمر التحسن و إن لم يطرأ تغيير على نوعية العلاج أو الأدوية ، لكني بدأت أشعر بنفسي جيدا" ، حتى الصلاة أصبحت اصلي واقفا" من فضل الله ، و القراءة أصبحت تأخذ حيزا" أكثر من السابق .. بالمجمل الوضع أصبح أفضل من الاول و لكن الحالة بشكل عام ماتزال ليست جيدة . و الحمد لله على كل حال
من خلال الخروج للبهو و نتيجة زيادة برودة الجو ، اصبحت أجلس بالبهو الداخلي للمستشفى ، و هو بهو جميل يطل على الحديقة الصغيرة و كذلك على جزء من شارع بالخارج ، اجلس أناظر الخارج و أتذكر أمور و ذكريات .. فعلا" ما أصعب ان تكون لوحدك في مدينة بعيدة جدا" و باردة المشاعر و الطقس ، و الحالة مريض !
في إحدى الجلسات تعرفت على شاب عربي من شمال افريقيا كان ودودا" معي ، و يعمل في منصة الإستقبال بالمستشفى ، ضيفني بقهوة تركية وسط ، و جلس معي زمن ليس بالقصير ، و هو إنسان محترم و أخذت عنه إنطباع جيد ، و في الحقيقة أتعجب من هذا الزمن الذي أصبح به الكثير من العرب أقصى امانيهم السفر لأوروبا و العمل فيها ، بل و بنية الهجرة الدائمة ، لكم الله ياعرب ..
. . .
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
بدأ الوضع يستقر و بتحسن طفيف جدا" يكاد لايذكر ، لكنه على أية حال يعطي مجالا" معقولا" للقيام ببعض الأمور الملحة كالصلاة و بعض المأكولات ( تم تغيير خفيف على لائحة الطعام المعتمدة ) حتى تعامل الهيئة التمريضية تغير بشكل تم إعطائي الحرية للتنقل داخل الجناح و النزول للبهو الداخلي و الخارجي للمستشفى بدون الحاجة للإستئذان ( وفق توقيتات محددة سلفا" أي لايزيد وقت الخروج عن الزمن كذا )
أشعر بأن وزني نقص كثيرا" ، تأثير الأدوية واضح على الجسد المنهك ، و الأحوال ليست جيدة لكنها أفضل و بمراحل من السابق . .
من الامور التي أسعدتني وصلني إتصال من صديق عزيز لم أسمع صوته منذ مدة طويلة ، لدرجة أني نسيته ، و أستمرت المكالمة وقتا" ليس بالقصير ، ياسبحان الله الارواح تشتاق لبعضها ، كان هذا الإتصال من أسعد الإتصالات التي وصلتني منذ زمن ، كان التأثير النفسي شئ فوق الخيال ، جميل أن تتحدث العربية و باللهجة الكويتية أيضا" ..
من زمان يازمن . . !
. . .
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
الأمور ماتزال في الأفضل نسبيا" ، سوء و ليس أسوء ، أي تقدم طفيف لكنه مريح على أية حال ، خلال الأيام الماضية شعرت بحاجة شديدة للخروج و التنزه خارج المستشفى ، طلبت الأذن لو لفترة ساعات قصيرة ، فأبلغتني الممرضة بأنها ستستوضح الطبيب المسئول عن هذا الطلب ، شكرتها بحرارة و تمنيت منها الإلحاح عليه حتى يوافق ..

أبتسمت و قالت ان الأمر ليس بداع الإلحاح او غيره ، لكنه يتعلق بوضعك الصحي فقط ، حالتك هي التي تبين الأمر ، و تسهل القرار الطبي بالخروج ..

كنت اتمنى الخروج ، أتمنى إستنشاق هواء طبيعي في هذه الأجواء الباردة ، سيما و الشتاء في فيينا ليس بالشتاء العادي ، بل جليدا" فوق جليد !

بعد ثلاثة أيام سمح لي بالخروج فقط داخل المستشفى ، أي داخل الردهات الداخلية ( الردهات الخارجية و الجلسات المكشوفة تم إغلاقها لدواعي الأجواء الباردة ) قبلت على مضض ، مع أن الوضع لن يتغير كثيرا" ، لكن شئ أفضل من لاشئ ..

مضت أيام قليلة على ممارستي الخروج اليومي ، و للحق أحسست براحة أكثر ، كما ذكرت في السطر السابق شئ أفضل من لاشئ ، أصبحت أناظر الوجوه و اتمعن في لحظات السير بمناطر فيينا التي يكشفها الزجاج ، أشاهد المارة ، أتفكر في اموري ، و كلن في قلبه شقى الليلة !

بعد أيام تم تغيير الممرضة ، و أتت ممرضة كانت كالحلم حين تتخطى بالجناح ، شكلها أوروبي ، لكن دمها ليس بالاوروبي البارد ، فيها من حرارة بني يعرب ، سلامها حار ، و عيونها سوداء واسعة ، إبتسامتها خيال ، شعرت أنني محظوظ لو بقيت معي و لم تغادر ، خشيت من غدر الحظ ، و جفاء النصيب !

تحدثت معها و سألتها :

سألتها . . . لية البحر ساكن عيونك ؟!

جاوبتني .. للغرق

سألتها ..

ليه السواد اللي في عيونك ؟!

جاوبتني .. للأرق

سألتها ..

ليه الخدود ؟

قالت .. عبق

سألتها ..

هي رقتك مثل النسايم والورود ؟!

قالتلي .. لا .. يمكن أرق !

. . . . . . .

من كلمات : عبدالرحمن بن مساعد
 
  • Haha
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
بعد محاولات فاشلة مع الأطباء ، و بشكل غير متوقع تم الإذن لي بالخروج لمدة لاتزيد عن ساعات قصيرة ، يبدأ وقت الخروج الساعة الحادية عشر قبل الظهر على ألا أتأخر بعد الساعة الرابعة عصرا" ، بطبيعة الحال الوقت كافي جدا" ، و مناسب لمن في مثل حالتي . و كم كنت سعيدا" آثار السعادة باديه على ملامح وجهي المتعب ..

كانت الممرضة الفاتنة تمازحني بأنها تفكر بالخروج معي لترافقني ، فكان الرد بغمزة عين فيها من خبث العشاق اللذيذ ( هل هناك خبث لذيذ ؟! ) تعالي و لاتحملي أي هم !
فأبتسمت بغنج و مضت مبتسمة ! ( طبعا" واضح إنها تتعامل معي كمريض لا اكثر ، لكن خيالات المرضى مريضة كحالهم ! )

كنت كلما جلست معي بخصوص العلاج و متابعة الحالة المرضية اتذكر بيت لدايم السيف تغنى به أبا نوره :

تفرغت لك ياكامل الزين بلحالك
تقل غيرك من الناس ماهم بحييني . .

خرجت بعد لبس اللباس الثقيل و لف المعطف الشتوي حول الرقبة ، كنت ناويا" الذهاب نحو أحد السكك الضيقة بعاصمة الأنس ، هناك مقهى قديم و نظيف جدا" يقدم قهوة فرنسية لاتوجد إلا بالأحلام !

كنت أسير تحت المطر متعمدا" رغم وجود أماكن و ممرات مظللة ، لكني كنت أدعو الله الشفاء و الرحمة بضعفي ، و ضعف جسدي الواهن ، و ادعو و ادعو حتى مسحت دمعة نزلت من عيني أثناء الدعاء لله رب العالمين أرحم الراحمين و أكرم الأكرمين .. أسأل الله أن يشفيني و يشفي كل مريض .. المرض لايرحم .. و لا رحمة إلا من عند الله سبحانه و تعالي جل في علاه ..

وصلت المقهى الذي أعرف مكانه بدون غوغل ماب أو GBS لي ذكريات كثيرة في المقهى النمساوي العتيق القابع في العاصمة فيينا ..

كانت الحضور بالمقهى خفيفا" مالعادة ( هذا سر حبي للمقهى هدوءه العجيب ) طلبت من النادلة الشقراء فنجانا" من القهوة وسط ، و معه كالعادة قطعة كعك صغيرة ، تناولت القهوة كأني أول مرة أشربها ، رغم سخونتها لكن شوقي لها أسخن بكثير !

كان أحد الجالسين يبدو من سحنته عربيا" ، كان لايفارق هاتفه المحمول ، يبدو انه يراسل احدا" ما ، ياترى من يراسل ، حبيبة / صديق / زميل عمل / ماذا ؟ تساؤلات لا حصر لها لها عنوان عريض هو : الفضاوه !

إحداهن تجلس بعد أمتارا" قليلة من طاولتي ، جميلة تبدو في أواخر الثلاثينات أو أول الاربعينات ، وجهها مريح فيها ملح ، ليست نحيفه و لا هي بذات الجسد السمين ، جسد جميل ، شعرها أسود طويل ، تبدو مريحه جدا" ، كم تمنيت لو لي مجال للأقتراب منها و فتح حديث مشترك !

جلست في المقهى أكثر من ساعة ، كنت فقط ارتشف الفنجان تلو الفنجان و أتابع النظر بوجيه الناس ، و أحلل شخصياتهم ، كأني اول مرة أرى أناسا" في مقهى !
هل تصرفي عادي .. ام أنا آتي من كوكب آخر و اول مرة أرى بشر ؟
الحق على المرض و المستشفى و الممرضة ذات العينين السوداوين !


. . . . . . .
 

Way one

عضو مخضرم
مازال الوضع لا هو الذي متقدم ولا هو ذا المتأخر ، ساعات يرجع لي الألم و أتجرع الوجع ولا أستطيع حتى النهوض من السرير ، و أحيان أشعر بأن المرض مجرد حلم عابر !
دائما" أقول في نفسي : ياطول بال الطبيب علي !
منذ أكثر من شهر لم أخرج من المستشفى ، حالتي تضعضعت مؤشراتها ، و أصبح دوران عقارب الساعة بطيئا" مملا" متعبا" للنظر ، الوقت أشعر انه واقف .. لايتحرك ، إشمئزاز يسيطر على النفس ، أحمد ربي أني مازلت حيا" ، لكن مالفرق بين الكوت و حالة حالي ؟ . . لا فرق !
منذ أقل من اسبوع أحس و أشعر بتحسن طفيف ، الممرضة التي تشرف على حالتي لاتينية حسب ما اعتقد من إحدى دول أمريكا الجنوبية ، ليست بالبيضاء ولا هي سمراء ، يعني من هذا و ذاك ، لطيفة معي أشعر أنها متعودة على الحالات المشابهة لحالتي ، دؤوبة في العمل إبتسامتها بحساب ، لكنها ليست متجهمة الوجه ، دارت بيننا حوارات متعددة ، كانت تقول لي كثيرا" بأني المريض الشرق الاوسطي الاول الذي تشرف على حالته ، كذلك تقول بأن هناك شبه كثير في الكباع والسحنة بين الشعوب اللاتينية و الشرق أوسطية ( دائما" تقول شرق اوسطيه ولاتقول عرب ! )
طلبت منها بشكل ودي محاولة إقناع الطبيب المباشر للسماح لي بالخروج ولو عدة ساعات ، وكانت تعتذر بأدب وبأن ذلك ليس شأنها ، بل علي كصاحب الشأن ان اتولى أمري بنفسي و الإستئذان من الطبيب دونما إستدخال طرف ثالث ، قدرت رأيها ( طبعا" مرغما" ) . .
في اليوم التالي وبوجود الطبيب طلبته بأن يسمح لي بالخروج لو سويعات ، و تفاجئت بموافقته الفورية ، بل قال أخرج من يوم غد مساءا" لمدة ثلاث ساعات ، لابأس في ذلك ..
كان أسعد خبر منذ اسابيع ، والموافقة تؤكد ضمنيا" بأن حالتي تسمح ولاخوف من الخروج ، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

. . . .
 

Way one

عضو مخضرم
تجهزت ليوم الخروج الموافق يوم غدا" ، أعد الثواني قبل الدقائق ، كأني سجينا" جاءه أذن الإفراج ، ما أجمل الحرية آه ما أجملها . .

الأجواء ماتزال باردة و إن أقل بالتأكيد من طقس يناير الجليدي القارس ، لم تضايقني برودة الجو ولا الطقس ، فقط أناظر الساعة ، متى تأتي ساعة الخروج . . !

في اليوم التالي وفي يوم لاينسى خرجت بسهولة بلا أية إجراءات ( في العادة هناك إجراءات كتعبئة طلب خروج + ذكر المكان المقصود + تعهد بالعودة بوقت معين + ترك وسيلة التواصل " رقم هاتف " ) وكان امرا" سرني كثيرا" ، واضح ان هذه أوامر الطبيب للإدارة ( حسب ماوصلني ان الطبيب المباشر يشغل بذات الوقت منصبا" إداريا" رفيعا" بالمستشفى ) خرجت و عندما تعديت الباب الرئيسي للمبنى الكبير للمستشفى قررت الإستمرار بالسير مشيا" على الاقدام سيما والأجواء تشجع على ذلك .. الجو رائع جدا" لكن تنقصه الشقراء ! ( طبعا" من العبث ان أبحث عن شقراء ساخنة في فيينا ! ) . . . قهوة وليس شيئا" آخر !

وصلت مقهى عتيق في سكة ضيقة ، يبدو نظيفا" يقوم على العمل فيه كما ارى رجلا" شيخا" ملامح الشيخوخة تدق اطنابها حول حاجبيه ، سألته مالذي عندك من انواع القهوة ، نظر مليا" نحوي وقال مبتسما" : أشعر إنك تبحث عن قهوة تركية .. اليس كذلك ؟
قلت : سكرها وسط !

و اتى بها ساخنة جدا" وبرفقتها كعك صغير لم أذق ألذ منه متذ سنين !

أثناء جلوسي في هذه الجلسة الرائقة التي تستحق العناء فعلا" كان مما دعاني للراحة رائحة القهوة النفاثة ، كان يعمل القهوة و يحمصها بنفس المحل الصغير ، أتصور ان الرائحة لن تغادرني ولمدة أيام قادمة ، وهذا من دواعي السرور ولاشك !

وصل رجل بين من سحنته أنه عربيا" من الشام ، حتى لغته واضح إنها ضعيفة ، دعوته للجلوس على طاولتي ، و عزمته على فنجان من القهوة ، و دارت بيننا احاديث بالطبع وكالعادة 99% سياسية !

كان يؤكد لي بأنه هنا بإستطاعته الحديث عن السياسة كيفما يريد ، إنما في بلاده لايستطيع فتح فمه إلا لطبيب الأسنان !

مما دار من الحديث فهمت أنه وصل النمسا منذ سنوات ، والهدف من الهجرة إقتصادي بحت ، و أيضا" حسب مافهمت إن الامور الإقتصادية له متحسنة بشكل ممتاز ، وبأنه ( حسب قوله ) حصل في اربع سنوات على مالم بحصل عليه في عشر سنين ببلده ! ( بالطبع فارق العملة وفارق الوضع الإقتصادي بين البلدان )

كان ودودا" معي و عندما علم أني مريض كان شهما" وحلف ألا يتركني إلا عندما تطأ قدمي المستشفى ، حاولت إقناعه بالعدول لكنه أصر بكرم أخجلني ..

العربي يبقى عربي أيا" كانت الاوضاع ، والفزعة و الوقفة هي ديدن العربي القح ، هو ليس بحاجتي و ظروفه ممتازة ، لكنه كرمه أجبره على عدم تركي وحيدا" ..



. . . . .
 

Way one

عضو مخضرم
أستمرت الخروجيات من المستشفى و إن بفترات متفرقة ، إنما كانت كلها لساعات قصيرة ، واضح أن الثقة أصبحت متبادلة بيني وبين المجموعة الطبية التي تعاين وتشرف على حالتي ، حتى أصبحنا كمجموعة متفاهمة ، وكانت الصراحة هي العنوان الكبير للعلاقة الرابطة مابيني كمريض وبين الممرضين والاطباء ، إذ كنت اعلم بإستمرار عن تحولات الحالة المرضية و إرتفاع رتم و إنخفاض آخر ، رغم مأساة وضعي بشكل عام لكن كان هناك بصيص قليل من الأمل ، و كانت الخروجيات لها إنعكاس مؤثر على إيجابية تقبل الوضع ، كنت استطيع المشي سيرا" لمسافات غير قصيرة ، هذا لوحده تطور عظيم ..
بالطبع كل الخروجيات المسموحة بالعاصمة " فيينا " ، لم يكن المجال مسموحا" للأبتعاد أكثر ، لخصوصية الحالة ، وفي الحقيقة مجرد الخروج هو شأن كبير بالنسبة لمريض كحالتي الصعبة ، و الواقع أني دائما" اتذكر رحمة الله و احمده و أستغفره و أثني عليه ، الحمد لله على أية حال ..
ذهبت ذات مرة لأحدى المقاهي المصممة على نسق حديث ، كنت أرغب و اصبو لتناول فنجانا" من القهوة فيه ، جلست و كانت جل المقاعد والطاولات ممتلئة ، الناس والبشر أشكال و ألوان ، من كل نوع ستجد هنا ، كنت لوحدي و آه من الوحدة في شتاء فيينا ، حالتي تصعب على الكافر !
أسترق النظرات يمنة ويسار ، بصراحة كنت أدقق النظر نحو النساء ، لله درهن يملئن أية مكان ألقا" لايضاهى ، أثناء جلوسي و بعد تناول فنجانين من القهوة الوسط ، سألني النادل المؤدب بتهذيب واضح وإبتسامة مريحة : هل يعقل ان رجلا" مثلك في شتاء فيينا يجلس لوحده ؟
أجبته بإبتسامة صامته لاتحمل أي كلام ، لكنها تحمل معاني الألم والشوق و ضيق الحال ، تذكرت خالد الفيصل و هو يقول :
تنشد عن الحال . . . هذا هو الحال !
في خاطري لك كلام . . مير ماقلته !!
. . . . .
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
أمس واليوم كانا من ضمن بوتقة المتاهات ، رحلة الإنتهاءات ، بداية الإنتكاسات -سمها ماشئت - آلام شديدة جدا" ، وجعي تنعكس ملامحه على وجهي المثخن بحزن وآلام الداء ، لولا رب العزة والجلال لولاه لربما كنت الآن جثة مستلقية في إحدى ثلاجات المستشفى !

أمس كنت أمني النفس بخروجية مختلفة عما مضى ، كنت أرغب برحلة والمشي سيرا" على الاقدام على حواف وجوانب نهر الدانوب الذي تزين مياهه تضاريس عاصمة ليالي الأنس ، ولإن ليس كل ماتشتهيه الانفس حاصل ، و الرياح سارت بما لاتشتهي السفن فقد شعرت بألم شديد أحسست وكأنه سيقطع لحم جسدي ، سيكسر عظامي المنكسرة أساسا" ، حاولت أتمالك نفسي لكن الإنسان بداخلي ضعيف ، وجدت نفسي اتأوه من الوجع ، أكاد أبكي من الألم ، سارعت الممرضة المشرفة بإبلاغ الطبيب و التنبيه لتواجده بأسرع وقت ..

فقدت الوعي أبحرت في عالم تحوفه رحمة القادر الوهاب ، لاشك لااعلم متى فقدت الوعي بالضبط وبأي ساعة ، لكني منذ أن إستيقظت تذكرت الموت وتداعياته ، وكيف أن النوم هو الموت الأصغر والوفاة هي موتا" أكبر ، لكني فقدت وعي و بلا قدرة مني بسبب آلام المرض ، فهل ماحدث معي هو موتا" اوسط ، لاعلاقة له بالنوم او الوفاة ؟

أتعلم مالذي تذكرته ؟
تذكرت أن الله أحياني مرة أخرى
ما أعظم نعم الله علي ..

فتحت عيني بهدوء تام ، بصراحة ولا كأن شئ حصل ، لا أشعر بأي ألم !
هل هو تأثير المسكنات والأدوية؟

وجدت ممرضة سمراء بجانبي تناظر الأجهزة ، لما ناظرتها أحست بي ، بادرتني بإبتسامة هادئة ، كانت مريحة لي ، أشرت لي بيدها بعلامة تبين أن الامر يسير للأفضل ، إبتسمت لها إبتسامة تنم عن تقديري لها . .

وجدت نفسي أستطيع تحريك مفاصلي و يدي و قدماي ، كأني حيا" حيا بعد موت !
تقول الناس في امثالها : الحي لايموت . .

وطلبت جهاز الكتابة ، وكتبت هذه الكلمات !

. . . . .
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
تنتابني مراحل من الهوس للكتابة ، أشعر بأنه لاغنى لي عن الإمساك بالقلم لتدوين كل شئ وأي شئ ، تذكرت وسائل التواصل الإجتماعي المعاصرة والتي أظهرت بجلاء تقنيات النفس الإنسانية ومدى حبها للرواج والظهور ، تجد الإنسان يرسل مقطعا" يبين فيه أنه يشرب قهوته المفضلة ، وبمقهاه المتعود عليه ( لزوم البريستيج يجب ان يكون المقهى ذو علامة تجارية شهيرة ! )
و أتذكر القلم وأقارنه بالجهاز الذي أكتب به ، وأتذكر حبر القلم لما يتسرب من القلم وتتسخ أجزاء من ملابسي بسببه ، وأقابل مايحدث بالرضا والإبتسامة !
متذكرات أتذكرها وأنا ممدد على سرير بغرفة بمبنى يعاني من شتاء فيينا وثلوجها المستمرة منذ أيام ، أناظر المنظر الأبيض للثلوج عبر النافذة ، الغرفة بالطبع مدفأة بتدفئة مناسبة ولا أشعر بالبرد إلا عندما أترنم مع وحدتي الباردة في شتاء بارد ، ومشاعر أبرد !
حالتي أشبهها بتوهان رايح جاي ، أو كما يقولها اهل مصر بإبتسامة : حبة فوق وحبة تحت !
آآه والله الشتاء برد
و قل الوفا . . . برد
والموعود المهحور . . . ماينبت الورد !
لااعرف كيف أصف حالتي ، أحيان أشعر أن الأمور تمام و الأمور أستوت ، وأحيان أتذكر أن الموت حق ولا بد منه ، والحالة تتجه لليوم الأخير من العمر !
في الغرفة المحاذية لغرفتي تعرفت على مريض حالته قريبة الشبه بحالتي وهو من إحدى دول أوروبا الغربية ، وكنت اتحدث معه كثيرا" ، من ضمن ماذكره لي بأنه اتى ليموت ، وبأنه ضبط جميع أموره القانونية والمالية مع أسرته قبل قدومه للمستشفى ، رغم يأسه بحسب ماعمل ، لكن الإبتسامة لاتغيب عنه ، يقدم على الحياة رغم كل شئ ، أتعلم منه التفاؤل ، و ترتفع معنوياتي ، ياسبحان الله رجل لا تعرفه ولايعرفني أصبح ايقونة للتفاؤل و الرغبة في الحياة ..
. . . .
 
  • إعجاب
التفاعلات: 2030A

Way one

عضو مخضرم
اليوم أشعر أنه دافئ - على الاقل ليس باردا" - أرى عبر النافذة المطلة الأجواء وقد بدا عليها التحسن والثلوج تقريبا" أغلبها ذاب ، و إن كان أسفلت الشوارع يلمع أثر امطار هطلت قبل وقت قصير ، أشاهد الناس وأستمتع برؤية الحركة بالشارع ، هذا لا ادري من أين اتى ، و ذاك بالتاكيد وراءه قصة كئيبة كونه يسير بهدوء شديد و يلتفت يمنة ويسره ، وتلك إمرأه تجر طفلها بعربته الصغيرة ، و ذاك يشخص يسأل آخر ، للشارع لغة و تفاصيل و أمور قد لاتخطر على بال أحد . .
أثناء النظر للشارع دخل الغرفة بإستئذان مؤدب أحد الممرضين ليأخذ التدقيق المعتاد على حالتي كأحد المرضى بالجناح ، سألني : تبدو الاجواء جميلة هذا النهار ، قلت : نعم والاجمل ان أكون من ضمن تفاصيل الناس فيها ، إبتسم وقال ستكون قريبا" .. حالتك تبدو بالإتجاه للأفضل . .
قبل ساعات ببداية اليوم كنت أخضع لفحوصات روتينية مجدولة مسبقا" كالأشعة و أخذ عينات مختلفة للتحاليل ، و كذلك بعض الفحوصات ذات الصلة ، كنت على كرسي متحرك وأنا أسير بين الممرات الواسعة كنت استذكر العافية واحمد الله على نعمته ، وأتذكر ان الصحة تاج على رؤوس الاصحاء ، كنت أحاول قدر الإمكان أن أتصنع بأني لم أنتبه لأي نظرات من الماره ، أعلم أني لست في وضع معيب لكنها حالة نفسية ، سيكولوجية الإنسان عصية على التفسير ، وصعبة التأويل !
أشعر أني اعايش الأيام الأخيرة ، وحيدا" ، مريضا" في بلاد غريبة ، لا أنيس ولا جليس ، ولا حب و لا كره ، ولا رغبة ، و لا ضجر ، إحساس يستجمع مآسي الحزن ، ومعتبرات اليأس ، وشذرات تضمحل ، ونفس تتألم !
أعتقد لمثل حالتي أفضل علاج هو الكتابة ، الرقص مع الكلمات ، وأهازيج الحروف ، أشعر أن آخر امنية بسيطة هي شئ في خاطري ، لكنه لاتقبله الكتابة ، وغير قابل للنشر ، حتى نتوقف قليلا" على الأرض ونبتعد عن الطيران في السماء ، علينا الإعتراف بأن ليس كل شئ قابل للأعتراف فما بالك بوضعه فوق الورق ، للخصوصية مآلاتها ، ودقائقها الحساسة . .


يقول الشاعر علي القحطاني :


هديتك في العيد مني قصيدة
كتبتها من دم قلبي بقرطاس . .
الناس تظهر بالثياب الجديدة
وأنا ولا كني معيد مع الناس . .


ويقول الشاعر سعود بن بندر . رحمه الله


أقول في نفسي وأنا أعايد الناس
متى بشوفك تكمل أفراح عيدي . .
أجامل وربي عليمٍ بالإحساس
وشهو شعوري وأنت عني بعيدي . .


. . . . . .
 
أعلى