نقد رسالة فخر السودان على البيضان

رضا البطاوى

عضو فعال
نقد رسالة فخر السودان على البيضان
الرسالة كما هو معروف تاريخيا تأليف أبي عثمان عمرو بن الجاحظ وسبب تأليفها هو طلب واحد من الناس أن يذكر له مفاخر السودان وهو قوله" تولاك الله وحفظك، وأسعدك بطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته
ذكرت - أعاذك الله من الغشِّ - أنك قرأت كتابي في محاجة الصرحاء للهجناء، وردِّ الهجناء، وجواب أخوال الهجناء، وأني لم أذكر فيه شيئاً من مفاخر السودان فاعلم حفظك الله أني إنما أخرت ذلك متعمداً وذكرت أنك أحببت أن أكتب لك مفاخر السودان، فقد كتبت لك ما حضرني من مفاخرهم"
وقد بدأ الكتاب بأقوال لا علاقة لها بالموضوع وهى :
"قال الأصمعى: قال الفرز عبد فزارة وكانت في أذنه خُربة: إن الوئام يتترع في جميع الطَّمْش: لا يقرب العنز الضَّأن ما وجدت الماعز، وتنفر الشاة من المخلب ولا تأنس بالخف
وأنشد أبو زيد النحوي: " لولا الوئام هلك الإنسان "
فهنا الحديث عن الوئام وهو السلام بين الناس ثم ذكر حكايات عن النساء السود فقال ناقلا التالى:
"وقال شدادٌ الحارثيُّ - وكان خطيباً عالماً -: قلت لأمةٍ سوداء بالبادية: لمن أنت يا سوداء؟ قالت: لسيد الحضر يا أصلع قال: قلت أو لستِ سوداء؟ قالت: أو لست أصلع؟ قلت: ما أغضبك من الحق قالت: الحق أغضبك، لا تشتُمْ حتى تُرهب، ولأن تتركه أمثل وقال شداد: لقد كلَّمتها وأنا أظنُّ أنِّي أفي بأهل نجد، وما نزعت عنِّي إلا وأنا عند نفسي لا أفي بأمَتِي
وقال الأصمعي: قال عيسى بن عمر: قال ذو الرُّمَّة: قاتل الله أمةَ آل فلانٍ السوداء، ما كان أفصحها وأبلغها! سألتها كيف كان المطر عندكم؟ قالت: غٍثْنا ما شئنا "
وبعد هذا ذكر مشاهير السود كما يزعمون فقال :
"مناقب السودان:
أن لقمان الحكيم منهم، وهو الذي يقول: ثلاثة لا تعرفهم إلا عند ثلاثة: الحليم عند الغضب، والشجاع عند الخوف، والأخ عند حاجتك وقال لابنه: إذا أردت أن تخالط رجلاً فأغضِبْه ذلك، فإنْ، أنصفك وإلا فاحذره ولم يرووا ذلك عنه إلا وله أشياء كثيرة وأكثر من هذا مَدْحُ الله إياه وتسميته الحكيم، وما أوصى به ابنه"
ولقمان (ص) نبى من الأنبياء لم يذكر شىء فى الوحى عن بياضه أو سواده
ثم ذكر :
"ومنهم: سعيد بن جبير، قتله الحجَّاج قبل موته بستة أشهر وهو ابن تسعٍ وأربعين سنة، ومات الحجّاج وهو ابن ثلاث وخمسين سنة وكان سعيدٌ أورع الخَلْق وأتقاهم، وكان أعظم أصحاب ابن عباس وأصحاب الحديث يطعنون في الذي يجيء من قبل أصحاب ابن عباس حتى يجيء من سعيد بن جبير وأبوه مولى بني أسد، وهو مولى بني أميّة، وقُتِل يوم قُتِل والناس يقولون: كلُّنا محتاجٌ إليه"
والحجاج أساسا شخصية وهمية مثل دولة بنى أمية كلها ودولة بنى العباس ومن ثم فسعيد بن جبير هو الأخر قد لا يكون له وجود غير الوجود فى الكتب ووصف الجاحظ له "وكان سعيدٌ أورع الخَلْق وأتقاهم" كلام وهمى فلا هو عاشره ولا رآه ولا هو يعلم شيئا عنه ولذا قال تعالى " هو أعلم بمن اتقى"
وهذا الوصف يعنى كونه أفضل من النبى (ص) واخوته الأنبياء(ص) ولو قال من أورع الخلق وأتقاهم لكان من المقبول ولكنه جعله أورع الخلق وأتقاهم غير مقبول ثم قال :
"ومنهم: بلالٌ الحبشيُّ ، الذي يقول فيه عمر بن الخطاب : إن أبا بكرٍ سيدنا وأعتق سيدنا، وهو ثلث الإسلام
ومنهم: مهجع، وهو أول قتيلٍ قُتِل بين الصِّفَّين في سبيل الله
ومنهم: المقداد، وهو أول من عدا به فرسه في سبيل الله"
وهذا الكلام عن الأولية لا ذكر له فى الوحى فمثلا كون بلال ثالث من أسلم يتناقض مع رواية عن كون سعد بن أبى وقاص ثالث من أسلم حيث روى البخارى بإسناده إلى سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: "ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام"
ثم قال :
"ومنهم وحشيٌّ قاتل مُسيلمة الكذاب وكان يقول: قتلت خير الناس - يعني حمزة بن عبد المطلب - وقتلت شر الناس - يعني مُسيلمة الكذاب –"
وبالقطع هذا الكلام لا يمكن أن يصدر من مسلم حيث يفضل مسلم على النبى(ص) بقوله" قتلت خير الناس - يعني حمزة"
ثم قال "ومنهم: مكحولٌ الفقيه ومنهم: الحَيقُطان الشاعر، الذي كان يَفضُل في رأيه وعقله وهمَّته وهو الذي يقول في الإخوان: لا تعرفُ الأخ حتَّى ترافقه في الحضر، وتزامله في السفر ومنهم: جُليبِيب الذي تحدثت الرواة أن رسول الله (ص) خرج في غزاةٍ فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً ثم خرج فقال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً ثم خرج فقال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا في الثالثة: لا قال: لكني أفقد جُليبيباً، اطلبوه فطلبوه بين سبعةٍ قد قتلهم ثم قُتِل فقال النبي (ص): " قتل سبعةً ثم قتلوه هذا منِّي وأنا منه " قال: ثم حمله على ساعديه حتى حفروا له، ما له سريرٌ غير ساعدَيْ رسول الله (ص) قال: ولم يذكروا غُسْلاً"
والكلام عن جليبيب هنا كلام استغفال للناس فالعبارة " قتل سبعةً ثم قتلوه هذا منِّي وأنا منه" فالرجل قتل السبعة والسبعة بعد أن قتلهم قتلوه ثم كيف يكون جليبيب من النبى(ص) والنبى(ص) من جليبيب فإما أن يكون هذا ابن ذاك أو العكس ولو قال النبى (ص) كلاما لقال هذا من المسلمين أو من شهداء المسلمين
ثم قال "ومنهم: فرجٌ الحجَّام وكان من أهل العدالة، والمقدَّمين في الشَّهادة أعتقه جعفر بن سليمان؛ وذلك أنه خدمه دهراً يصلح شاربه ولحيته ويهيئه، فلم يره أخطأ في قولٍ ولا عمل، فقال: والله لأمتحنَّنه، فإن كان ما أرى منه عن تدبيرٍ وقصدٍ لأعتقنه ولأزوَّجتَّه ولأغنينَّه وإن كان على غير ذلك عرفتُ الصنع فيه فقال له ذات يوم وهو يحجمه: يا غلامُ، أتحتجم؟ قال: نعم قال: ومتى؟ قال: عند الحاجة قال: وتعرفُ ذلك؟ قال: أعرفُ أكثره وربما غلِطت قال: فأيَّ شيء تأكل؟ قال: أمَّا الشتاء فداك براه خائرة حلوة وأما في الصيف فسكباجةٌ حامضة عذبة فبلغ به جعفر بن سليمان ما قال وهو الذي يقول فيه أبو فرعون:
خلُّوا الطَّريق زوجتي أمامي أنا حميمُ فرجِ الحجّام
قال: وبلغ من عدالته ونبله في نفسه وتوقِّيه وورعه، أن مواليه من ولد جعفرٍ وكبار أهل المربد، كانوا لا يطعمون أن يُشْهده إلا على أمرٍ صحيح لا اختلاف فيه"
الخبل فى الحكاية هو كون فرج من المقدمين فى الشهادة وهى عبارة تعنى فى عصرنا انه رجل من شهود الزور يتقدم للشهادة فى القضايا دون ان يرى شيئا فلا يوجد أحد مقدم فى الشهادة لأنه لا يرى كل القضايا ولا يعيش مع كل الناس ومن ثم فالشهادة عندما تقع لأحد فى عمره مرة اثنين ثلاثة وليس فى قضايا بالعشرات
ثم تحدث عن الحيقطان فقال :
"وأما الحَيقُطان فقال قصيدةً تحتجُّ بها اليمانية على قُريشٍ ومضر، ويحتجُّ بها العجم والحبشُ على العرب، وكان جريرٌ رآه يوم عيدٍ في قميص أبيض وهو أسود، فقال:
كأنه لما بدا للناس أير حمارٍ لُفَّ في قرطاس
فلما سمع بذلك الحيقطان وكان باليمامة، دخل إلى منزله فقال هذا الشعر:
لئن كنتُ جعد الرَّأسِ والجلدُ فاحمٌ فإنَّي لَسَبْطُ الكفِّ والعرضُ أزهر
وإنَّ سواد اللَّون ليس بضائِري إذا كنتُ يوم الروع بالسَّيف أخطرُ
فإن كنت تبغي الفخر في غير كنهه فرهُط النَّجاشي منك في الناس أفخر
تأبَّى الجُلَنْدَي وابن كسرى وحارثٌ وهوذة والقبطي والشيخُ قيصرُ
وفاز بها دون الملوك سعادةً فدام له الملك المنيع الموفّرُ
ولقمان منهم وابنه وابنُ أمِّه وأبرهةُ الملك الذي ليس يُنكَرُ
غزاكم أبو يكسوم في أمِّ داركم وأنتم كقبْصِ الرمل أو هو أكثر
وأنتم كطير الماء لما هوى لها ببلقعةٍ، حُجن المخالبِ أكدرُ
فلو كان غير الله رامَ دفاعه علمت وذو التَّجريب بالناس أخبرُ
وما الفجرُ إلا أن تبيتوا إزاءه وأنتم قريبٌ ناركم تتسعَّرُ
ويدلُف منكم قائد ذو حفيظة نُكافحه طوراً وطورا يدبَّرُ
فأما التي قُلتم فتلكم نُبوَّة وليس بكم صُون الحرام المستَّرُ
وقلتم لقاحٌ لا نؤدي إتاوة فإعطاء أريانٍ من الفَرِّ أيسر
ولو كان فيها رغبةٌ لمتوَّجٍ إذاً لأتتها بالمقاول حميرُ
وليس بها مشتىً ولا متصيَّف ولا كجُؤاثا ماؤها يتفجَّر
ولا مرتعٌ للعين أو متقنَّص ولكن تجراً، والتجارة تُحقَر
ألست كُليبيّا وأمك نعجةً لكم في سمان الضّان عارٌ ومفخر"
هذه القصيدة وقبلها بيت جرير هى من ضمن الكفر والفخر بالكفار والذم بالفواحش مع وجود فخر فيها بالمسلمين وقد قام الجاحظ بشرحها شرحا مطولا وأدخلنا فى امور بعيدة عن موضوع الكتاب كقوله:

البقية https://arab-rationalists.yoo7.com/t1049-topic#1256
 
أعلى