قراءة فى كتاب لفتة الكبد في نصيحة الولد

رضا البطاوى

عضو فعال
قراءة فى كتاب لفتة الكبد في نصيحة الولد
مؤلف الكتاب هو أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري
استهل ابن الجوزى الكتاب بذكر السبب الباعث على كتابة هذه الوصية وهى أنه لما علم تقاصر ولده عن طلب العلم كتب له الرسالة حتى يجتهد فى طلب العلم وفى هذا قال فى المقدمة:
"فإنني لما عرفت شرف النكاح وطلب الأولاد ختمت ختمة وسألت الله تعالى أن يرزقني عشرة أولاد، فرزقنيهم ، فكانوا خمسة ذكور وخمس إناث، فمات من الإناث اثنتان، ومن الذكور أربعة فلم يبق من الذكور سوى ولدي أبي القاسم فسألت الله تعالى أن يجعل فيه الخلف الصالح، وأن يبلغ به المنى الناجح
ثم رأيت منه نوع توان عن الجد في طلب العلم، فكتبت له هذه الرسالة، أحثه بها وأحركه على سلوك طريقي في كسب العلم، وأدلة على الالتجاء إلى الموفق- سبحانه وتعالى- مع علمي بأنه لا خاذل لمن وفق ، ولا مرشد لمن أضل ، لكن قد قال تعالى" وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر "
وفد بدأ الوصايا لابنه فطالبه بالتفكير وإعمال العقل فقال:
"اعلم يا بني- وفقك الله للصواب أنه لم يتميز الآدمي بالعقل إلا ليعمل بمقتضاه، فاستحضر عقلك، وأعيي فكرك، و اخل بنفسك، تعلم بالدليل أنك مخلوق مكلف، وأن عليك فرائض أنت مطالب بها، وأن الملكين يحصيان ألفاظك وأن أنفاس الحي خطاه إلى أجله، ومقدار اللبث في الدنيا قليل والحبس في القبور طويل، والعذاب على موافقة الهوى وبيل فأين لذة أمس؟ رحلت وأبقت ندما وأين شهوة النفس؟ كم نكست رأسا وأزلت قدما وما سعد من سعد إلا بخلاف هواه، ولا شقي من شقي إلا بإيثار دنياه فاعتبر بمن مضى من الملوك والزهاد أين لذة هؤلاء، وأين تعب أولئك؟ بقي الثواب الجزيل والذكر الجميل، والقالة القبيحة والعقاب الوبيل للعاصين ، وكأنه ما جاع من جاع ولا شبع من تشبع والكسل عن الفضائل بئس الرفيق، وحب الراحة يورث من الندم ما يربو على كل لذة، فانتبه واتعب لنفسك"
وفى الفقرة عدة أخطاء :
الأول قوله أنه لم يتميز الآدمي بالعقل إلا ليعمل بمقتضاه فالعقل موجود فى كل المخلوقات وبه تؤمن وتسبح لله عدا كفار الناس من الإنس والجن كما قال تعالى" ألم تر أن الله يسجد له من فى السموات ومن فى الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب"
الثانى قوله الحبس في القبور طويل فلا يوجد حبس فى القبور لأن الموتى فى الجنة والنار الموعودتين فى السماء كما قال تعالى " وفى السماء ءزقكم وما توعدون"
فالموجود فى القبور هى الأجساد التى تغنى وتتحول لتراب ولو كانت تنعم أو تعذب فى القبر لبقى الجسد سليما
ثم وضح ابن الجوزى لولده أن المطلوب العلم بالحق والعمل به فقال :
"واعلم أن أداء الفرائض واجتناب المحارم لازم، فمتى تعدى الإنسان فالنار النار ثم اعلم أن طلب الفضائل نهاية مراد المجتهدين ، ثم الفضائل تتفاوت ، فمن الناس من يرى الفضائل الزهد في الدنيا، ومنهم من يراها التشاغل بالتعبد، وعلى الحقيقة فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل، فإذا حصلا رفعا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق سبحانه وتعالى وحركاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه، فتلك الغاية المقصودة، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وليس كل ما يراد مرادا، ولا كل طالب واجدا، ولكن على العبد الاجتهاد، وكل ميسر لما خلق له والله المستعان
ثم بين الواجبات والفضائل وبين أولها الاستدلال على وجود الله بقانون الصنعة أى لكل شىء مصنوع صانع فقال:
"وأول ما ينبغي النظر فيه: معرفة الله تعالى بالدليل، ومعلوم أن من رأى السماء مرفوعة، والأرض موضوعة، وشاهد الأبنية المحكمة خصوصا في جسد علم أنه لابد للصنعة من صانع وللمبنى من بان ثم يتأمل دليل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وأكبر الدلائل القرآن الذي أعجز الخلق أن يأتوا بسورة من مثله فإذا ثبت عنده وجود الخالق- جل وعلا- وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وجب تسليم عنانه إلى الشرع، فمتى لم يفعل دل على خلل في اعتقاده"
ومن ثم فأول الواجب المكلف معرفة وجود الله بالبراهين ثم الإيمان بالوحى المنزل وأما ما يتلو هذا فهو الأحكام العملية التى يجب تنفيذها أى طاعتها مثل الوضوء والصلاة وبعد معرفة الواجبات يتلو ذلك معرفة الفضائل وهى المسائل التى فيها خيارين أحدهما أفضل من الثانى للعمل بالأفضل وفى هذا قال :
"ثم يجب عليه أن يعرف ما يجب عليه من الوضوء والصلاة والزكاة - إن كان له مال!- والحج وغير ذلك من الواجبات؟ فإذا عرف قدر الواجب قام به فينبغي لذي الهمة أن يترقى إلى الفضائل، فيتشاغل بحفظ القرآن وتفسيره وبحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وبمعرفة سير أصحابه والعلماء بعدهم ليتخير مرتبة الأعلى فالأعلى، ولابد من معرفة ما يقيم به لسانه من النحو، ومعرفة طرف مستعمل من اللغة
والفقه أصل العلوم، والتذكير حلواؤها وأعمها نفعا، وقد رتبت في هذه المذكورات من التصانيف ما يغني عن كل ما سبق من تصانيف القدماء وغيرها بحمد الله ومنه، فأغنيتك عن تطلب الكتب وجمع الهمم للتصنيف وما تقف همة إلا لحناستها، وإلا فمتى علت الهمة فلا تقنع بالدون"
وفى الفقرة يبين لولده ما عليه تعلمه من العلوم القرآن والسير والنحو واللغة والفقه والخطأ هنا هو تعلم النحو واللغة فهذا ما لا يوجد عليه نص لأن تلك العلوم أى الجهالات من أكبر أسباب الخلافات بين الناس فبسببها كانت اختلافات المفسرين والفقهاء وبدلا من ان يفسر الوحى بالوحى فسروه بجهالات كفار العرب
وقد بين لولده أن همة الإنسان تضعف أحيانا وعندما يعرف الإنسان هذا الضعف عليه أن يلجأ لطاعة الله حتى تقوى همته وفى هذا قال :
وقد عرفت بالدليل أن الهمة مولودة مع الآدمي، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات فإذا حثت سارت ومتى رأيت في نفسك عجزا فسل المنعم، أو كسلا فالجأ إلى الموفق، فلن تنال خيرا إلا بطاعته، ولا يفوتك خير إلا بمعصيته،فمن الذي أقبل عليه فلم يرد كل مراد؟ ومن الذي أعرض عنه فمضى بفائدة؟ أو حظى بغرض من أغراضه؟"
ثم يقص الأب على ابنه ما حدث له فى صغره من الشدة فى طلب العلم فيقول:
"وانظر يا بني! إلى نفسك عند الحدود، فتلمح كيف حفظك لها، فإنه من راعى روعي، ومن أهمل ترك وإني لأذكر لك بعض أحوالي لعلك تنظر إلى اجتهادي وتسأل الموفق لي فإن أكثر الإنعام علي لم يكن بكسبي، وإنما هو من تدبير اللطيف بي فإني أذكر نفسي ولي همة عالية وأنا في المكتب ابن ست سنين وأنا قرين الصبيان الكبار، قد رزقت عقلا وافرا في الصغر يزيد على عقل الشيوخ، فما أذكر أني لعبت في الطريق مع الصبيان قط ولا ضحكت ضحكا خارجا حتى أني كنت ولي سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة الجامع فلا أتخير حلقة مشعبة، بل أطلب المحدث فيتحدث باليسير، فأحفظ جميع ما أسمعه وأذهب إلى البيت فأكتبه"
وما ذكره الرجل هنا فيه أخطاء هى :
الأول حرمان الطفل من اللعب فلا ينبغى حرمان طفل من اللعب وهو ممارسة بعض الرياضات البدنية والعقلية
الثانى أن الطفل له عقل يفوق عقول الشيوخ ويقصد بها كبار السن وبالقطع الطفل عقله لا يمكن أن يفوق عقل الشاب لأنه يتكون بالتدريج عنده ويكون بعد مرحلة بلوغ سن النكاح كما قال تعالى "وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم"
وما يتميز به الطفل هو قوة الحافظة فقط فهو يحفظ وإن كان لا يفهم وهو ما اعترف به فى الفقرة التالية بقوله "فأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يراد مني" والفقرة تقول:
"ولقد وفق لي شيخنا أبي الفضل بن ناصر- رحمه الله - وكان يحملني الشيوخ فأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يراد مني، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت، فناولني ثبتها، ولازمته إلى أن توفى- رحمه الله-، فنلت به معرفة الحديث والنقل ولقد كان الصبيان ينزلون إلى دجلة ويتفرجون على الجسر وأنا في زمن الصغر آخذ جزءا وأقعد حجزة من الناس إلى جانب الرقة فأتشاغل بالعلم"
ومن الفقرة السابقة نعرف أن المعلم يكون السبب المباشر فى اهتمام الطالب بالعلم إذا اهتم به اهتماما مباشرا ثم بين الوالد ما يظن أنه اعانه على الدراسة فذكر التالى:


البقيةhttps://arab-rationalists.yoo7.com/t1071-topic#1285
 
أعلى