نظرات فى كتاب الحكم بقطع يد السارق

رضا البطاوى

عضو فعال
نظرات فى كتاب الحكم بقطع يد السارق في الشريعة الإسلامية
الكتاب من تأليف أحمد عبيد الكبيسي وفى مقدمته قال إن عقوبة السرقة عقوبة النص فيها واضح فلا يمكن الاعتراض عليه وهذا قوله:
"السرقة: من الجرائم التي توافرت النصوص من الكتاب والسنة على تجريم فعلها وتحديد العقوبة عليها تحديدا دقيقا، ليس لأحد الحق – إذا ما ثبت موجبها – أن يزيد فيها أو ينقص منها، أو يستبدل بها غيرها ولهذه المعاني قال الفقهاء في تعريف الحد عقوبة مقدرة حقا لله تعالى "
والسرقة عندى يقصد بها أخذ مال الغير دون حق وبعلم أو بدون علم صاحب المال ويستوى فى هذا الأخذ سرا أو علنا ويعاقب السارق أو السارقة بقطع الأيدى مصداق لقوله تعالى بسورة المائدة:
"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما "
ويقصد باليد الكف مصداق لقوله تعالى بسورة المائدة:
"وأيديكم إلى المرافق "الذى معناه وأكفكم حتى منتصف الأذرع ،وفى اجتهادى تقطع اليدين معا لقوله "أيديهما " ولو كانت يد واحدة لكان القول يديهما والرأى المشهور تقطع اليد اليمنى ومن يعود للسرقة بعد قطع يده اليمنى يقطع كفه الأيسر ولا يجوز إعادة الكف للسارق بعملية جراحية لأن هذا يمنع النكال – وكذلك فى باقى عقوبات القطع -وهو العقاب من الاستمرار الذى قرره الله بقوله فى نفس آية السرقة "جزاء بما كسبا نكالا من الله " ويدخل ضمن السرقة كل الجرائم المالية مثل الرشوة والاختلاس ورفض سداد الدين وخيانة الأمانة والغش فى المال بكل صوره والميسر والنصب والاحتيال المالى وأكل مال اليتيم ظلما ومنع الصدقات وهى الزكاة ويستثنى من جرائم المال جريمة واحدة هى جريمة اتلاف المال فهى تخالف كل هذا فى أن السرقة فيها أخذ للمال بينما المتلف لا يأخذ شىء من مال الغير .

وتحدث الكبيسى عن حكمه العقوبة والمراد أسبابها فقال:
"حكمة تحديد عقوبة السرقة:
اتجهت الشريعة الإسلامية – في هذه الجريمة – إلى حماية الجماعة، وأهملت شأن المجرم فشددت العقوبة عليه وجعلتها مقدرة محددة، من أجل القضاء على ما يتهدد الناس في أموالهم وما يتبع ذلك من إذلال وإرغام، فأحكم الشارع الحكيم وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجناية غاية الأحكام وشرعها على أكمل الوجوه، المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم مجاوزة ما يستحقه الجاني من العقاب فلا بد أن يكون العقاب مكافئا للجريمة، ولا يتسنى تقدير ذلك إلا لله العليم الخبير
ولو ترك تقدير العقوبة على السرقة إلى اجتهاد مجتهد، أو نظر حاكم، أو رأي جماعة، لأدى ذلك إلى تناقض لا تؤمن عاقبته، ولا يضمن معه تحقيق العدالة التي يجد الناس فيها أمانا من الظلم والقهر فكان من رحمة الله – سبحانه وتعالى – أن تكفل هو بتقدير العقوبات على الخطير من الجرائم وترك للناس تقدير غيرها من العقوبات: مما لا يترتب على تقديرها منهم أذى أو فساد وفي هذا المعنى يقول ابن القيم: "فلما تفاوتت مراتب الجنايات، ولم يكن بد من تفاوت مراتب العقوبات، وكان من المعلوم أن الناس لو وكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنسا ووصفا وقدرا لذهبت بهم الآراء كل مذهب، وتشعبت بهم الطرق كل مشعب، ولعظم الاختلاف واشتد الخطب فكفاهم أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين مؤونة ذلك، وأزال عنهم كلفته، وتولى بحكمته وعلمه وقدرته ورحمته تقديره نوعا وقدرا ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة، وما يليق بها من النكال" "
القول بأن الشريعة الإسلامية اتجهت إلى حماية الجماعة، وأهملت شأن المجرم هو كلام خاطىء فالشريعة تحمى الكل حتى المجرم ومن ثم فمرتكب الجريمة قد لا يكون مجرما إلا عند الناس وهو عند الله برىء والمجرم هو غيره فمثلا الحكام الذين يوزعون الأموال على غير عدل الله فيعطون البعض فوقا كفايتهم ويعطون البعض الفتات وهو تحت الكفاية هم المجرمون عندما يقوم بعض من يأخذون الفتات بأخذ بغض حقهم عن طريق ما يسمونه السرقة بينما هو فى الأصل أخذ حق فشروط توقيع العقوبة هنا :
-أن يكون لدى السارق ما يكفيه وأسرته
-ألا يكون لدى السارق دافع ضرورى كالجوع أو علاج مرض
وتعرض الكبيسى لشدة العقوبة فقال:
"حكمة الشدة في عقوبة السرقة:
من الواضح أن الشارع الحكيم لا حظ في عقوبة السرقة أن تكون شديدة قاسية إذ أن قطع يد السارق بربع دينار عقوبة شديدة تنخلع لها القلوب وقد كان هذه الشدة مرتكزا للمغرضين – على مدى الأيام – في نيلهم من الشريعة الإسلامية ومن حسنت نيته منهم: كان مرددا لأصداء ما يقال عنها، دون نظر سديد في موجبات هذه الشدة والحكمة فيها واضحة جلية فإنه لما كان الإسلام معنيا بتوفير الحياة الكريمة والعيش المطمئن لكل الناس كان لا بد من حماية الفضيلة بالقضاء على الرذيلة والفساد، وكل ما من شأنه أن يدنس واجهة الجماعة التي أراد لها الإسلام: أن تكون نقية ناصعة والغاية السليمة تبرر الوسيلة الحازمة ولو كانت شديدة قاسية لأن القسوة ليست شرا في كل أحوالها فإن من لا يراعي مصلحة الآخرين، ليس له أن يطمع في أن تراعى مصلحته ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الشرع لأن في الرحمة بالجاني – حينئذ – قسوة على المجتمع والعدل كل العدل في أن يعاقب من يستحق العذاب وليس أجدر بالعقاب، من ذلك النوع من المجرمين الذين تقتضي طبيعة جرائمهم أن تتم في الخفاء – كالسرقة – لما في خفائها من رهبة شديدة في نفوس الناس وقد بين الله – سبحانه وتعالى – سببين للشدة، في عقوبة السرقة فقال: {جزاء بما كسبا نكالا} "
وكلام الكبيسلا صحيح هنا فما دام المجتمع عادل وفر لكل فرد حاجاته أو يعانى الكل من نفس الشىء فالعقوبة يجب أن تكون شديدة لأنها تعدم العدل حيث يأخذ السارق جزء من نصيب ال×رين وهو ليس من حقه فهو ى يظبم واحد وإنما يظلم المجتمع كله لأنه يبدأ دائرة الظلم فالمسروق لكى يكفى نفسه سيضطر لارتكاب جريمة قد تكون السرقة او تكون كما هو حادث الآن المعلم المظلوم يعطى دروسا خصوصية والطبيب المظلوم يكشف على المرضى كشوفا خصوصية ومن ثم يضطر ولى أمر التلميذ أو المريض أو وليه إلى رفع أسعار ما يعمله فيه إن كان سباكا او نجارا أو غير ذلك ومن ثم تبدأ دائرة لا تنتهى من الظلم وهو ما نحن فيه حاليا
وتناول الكبيسى معنى الجزاء فقال :
"معنى الجزاء:
أما الجزاء فمعناه أن العقوبة مكافئة للجريمة مساوية لها، موافقة لآثارها أي أن العقوبة: إنما هي على الجريمة بكل الآثار الناتجة عنها، والأضرار المترتبة عليها مما لا يقف عند حد أخذ المال المسروق بل يتعدى ذلك إلى ما تحدثه السرقة من ترويع وإفزاع وليس أدل على ذلك من حادثة سرقة واحدة، تقع في حي، أو قرية، نرى معها أي ذعر يعيش فيه الناس، لما أصبح معلوما: أن السارق لا يتورع عن اقتراف كل ما يخطر له في سبيل تحقيق مأربه حتى أصبحت حوادث القتل لأجل السرقة من المألوف الشائع فإن طبيعة السارق موسومة بالشراهة والنهم وليس بين السارق وبين الناس إلا ما بين الذئب وفريسته لا يهمه منها إلا نهشها من أي طرف فمن أجل هذه النتائج المفزعة، كانت الشدة في العقوبة لأن الشارع بين أمرين: إما أن يردع الآثم، وإما أن يفزع الآمن، وليس من عدل الله ورحمته إلا ردع الآثم وزجره بعقوبة تكافئ جرمه، نالها جزاء لذلك الجرم ولهذا السبب لم تقطع يد الغاصب والمنتهب والخائن - مع أن هذه الجرائم وقعت على مال الغير، كالسرقة – إلا أنه ليس فيها من الإفزاع ما في السرقة لأنها تقع في العلن وليس فيه من الرهبة والإذلال مثل ما في الخفاء وفي ذلك يقول المازري :
"صان الله الأموال بإيجاب قطع سارقها وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها من الانتهاب والغضب ولسهولة إقامة البينة على ما عدا السرقة، بخلافها وشدد العقوبة فيها ليكون أبلغ في الزجر ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع به حماية لليد ثم لما خانت هانت" ومما يدل على أن الله – سبحانه وتعالى – رتب العقوبة على ما تشيعه السرقة من خوف واضطراب، وليس على ذات المال المسروق: أن قطع اليد يعاقب به السارق إذا سرق ربع دينار والسارق إذا سرق ألف دينار ولو كان القطع على ذات الفعل، لتفاوتت العقوبة في هذا وذاك وكما يقول العز بن عبد السلام : "إن السرقتين: استويتا في المفسدتين" وما ذلك إلا بأثرهما على الجماعة وإلا فإنه لا وجه لتساويهما كما هو ظاهر"
استهل الكبيسى الفقرة بكلام صحيح ثم أدخلنا فى متاهة لا علاقة لها بمعنى الجزاء وهى علاقة الجرائم الاقتصادية بالسرقة والحقيقة أن كل أخذ مال دون وجه حق هو سرقة سواء كان فى الخفاء أو فى العلن
ثم بين الرجل معنى النكال فقال:
"معنى النكال:
وأما النكال فهو منع الغير من ارتكاب السرقة اعتبارا بما وقع للسارق المقطوعة يده من شدة وحزم وقد جاء في اللسان – في كلمة نكل – قوله : "نكل بفلان: إذا صنع به صنيعا يحذر منه غيره إذا رآه" ومنه قوله تعالى: {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها} أي عبرة ولا عبرة أعظم من قطع اليد الذي يفضح صاحبه طول حياته ويسمه بميسم العار والخزي ولا شك أن هذه العقوبة أجدر بمنع السرقة، وأجدى لتأمين الناس على أموالهم وأرواحهم
ولعل من أبسط نتائج هذا النكال: أن عقوبة السرقة – القطع – لم تطبق في خلال نحو قرنين من الزمن إلا في أيد أقل من القليل ولم يتحقق ذلك إلا بشدة العقاب فكانت الشدة والقسوة سببا لصيانة الأيدي وطهارة النفوس وكلما أشتد العقاب، قوى المنع وفي ذلك يقول ابن القيم: "ومن المعلوم: أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته" ويقول ابن عبد السلام: "من أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان مصالحها على مفاسدها قطع يد السارق فإنه إفساد لها، ولكنه زاجر حافظ لجميع الأموال
البقية
 
أعلى