نقد كتاب الكذب

رضا البطاوى

عضو فعال
نقد كتاب الكذب
استهل الكاتب الكتاب بذكر الكذب فى كتب اللغة فقال:
"قال ابن منظور: الكذب نقيض الصدق كذب، يكذب، كذبا، وكذبا، وكذبة، وكذبة هاتان عن اللحياني وكذابا وكذابا وقال أيضا : ورجل كاذب،وكذاب، وتكذاب، وكذوب، وكذوبة، وكذبة مثل همزة، وكذبان، وكيذابان، وكيذبان، ومكذبان، ومكذبانة، وكذبذبان، وكذبذب، وكذبذب"
وبعد هذا عرف الكذب فقال:
"وحقيقة الكذب هي الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع، وليس الإخبار مقصورا على القول، بل قد يكون بالفعل، كالإشارة باليد، أو هز الرأس، وقد يكون بالسكوت "
وهذا التعريف ليس سليما فكلمة الكذب فى القرآن لا تعنى شيئا واحد والغالب فى القرآن من معانى الكذب هو التكذيب أى الكفر بحسب ما يضاف إليه فهناك تكذيب الرسل كما فى قوله تعالى "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا" وهناك تكذيب بيوم الدين كما فى قوله تعالى "الذين يكذبون بيوم الدين" وهناك التكذيب بآيات الله كما فى قوله تعالى " والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب"
وهناك التكذيب بالكتاب كما فى قوله تعالى"الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا"
وهناك التكذيب بالحق كما فى قوله تعالى "فقد كذبوا بالحق لما جاءهم"
" وهو التكذيب بالصدق وهو نفسه الحق كما فى قوله تعالى"وكذب بالصدق إذ جاءه" وهناك التكذيب بالله ورسوله كما فى قوله تعالى
"وقعد الذين كذبوا الله ورسوله" وهناك التكذيب بلقاء الله كما فى قوله تعالى"قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله"
وهناك الكذب بمعنى الباطل أى نسبة الباطل لله كما فى قوله تعالى" انظر كيف يفترون على الله الكذب" وأيضا قوله: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون"وأيضا قوله تعالى " وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى"
وهناك الكذب بمعنى خداع النفس كما فى قوله تعالى "انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون"
وهناك الكذب بمعنى الإجرام أو الظلم أو غيره كما المقارنة بين قوله تعالى "فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين "وقوله "فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين"
وهناك الكذب بمعنى التزوير أى تبديل شىء حقيقى بشىء أخر حقيقى كدم يوسف(ص) الذى استبدلوه بدم أخر وفى هذا قال تعالى "وجاءوا على قميصه بدم كذب"
وأما الكذب بمعنى قول غير الذى حدث فقد جاء فى قصة يوسف(ص) وامرأة العزيز حيث ادعت المرأة أن يوسف(ص) من اعتدى عليها بينما كانت هى المعتدية وهو قوله تعالى:
"قال هى راودتنى عن نفسى وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين"
ومن ثم فالكذب له معانى متعددة وليس معنى واحد وهو قول غير الحقيقة
وقال الكاتب فى ذم الكذب والكاذبين :
"لا شك أن الكذب عمل مرذول، وصفة ذميمة؛ فهو من خصال النفاق، ومن شعب الكفر، بل إن الكفر نوع من أنواعه؛ فالكذب جنس، والكفر نوع تحته والكذب من أسباب رد القول، ونزع الثقة من الكاذب، والنظر إليه بعين الخيانة والكذب دليل ضعة النفس، وحقارة الشأن؛ وخبث الطوية والكذاب مهين النفس، بعيد عن عزتها المحمودة والكذاب يقلب الحقائق؛ فيدني البعيد، ويبعد القريب، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح قال النبي "محذرا من الكذب: وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا
قال الماوردي: والكذب جماع كل شر، وأصل كل ذم؛ لسوء عاقبته، وخبث نتائجه؛ لأنه ينتج النميمة، والنميمة تنتج البغضاء، والبغضاء تؤول إلى العداوة، وليس مع العداوة أمن ولا راحة؛ ولذلك قيل: من قل صدقه قل صديقه وقيل في ذم الكذاب: لا تطلبوا الحوائج من كذاب؛ فإنه يقربها وإن كانت بعيدة، ويبعدها وإن كانت قريبة وقيل: ليس لكذوب مروءة، ولا لضجور رياسة وقال رجل لأبي حنيفة: ما كذبت قط، فقال: أما هذه فواحدة وقيل في منثور الحكم: الكذاب لص؛ لأن اللص يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك وقال بعض الشعراء:
وما شيء إذا فكرت فيه
بأذهب للمروءة والجمال
من الكذب الذي لا خير
وأبعد بالبهاء من الرجال
وقال آخر:
إذ ما المرء أخطأه ثلاث
فبعه ولو بكف من رماد
سلامة صدره والصدق منه
وكتمان السرائر في الفؤاد
وقال الحسن: الكذب جماع النفاق
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: إياك أن تستعين بكذوب؛ فإنك إن تطع الكذوب تهلك وقال ابن حبان: اللسان سبع عقور؛ إن ضبطه صاحبه سلم، وإن خلى عنه عقره، فالعاقل لا يشتغل بالخوض فيما لا يعلم، فيتهم فيما يعلم؛ لأن رأس الذنوب الكذب، وهو يبدي الفضائح، ويكتم المحاسن وإن مما يؤسف عليه في هذه الأزمان المتأخرة كثرة الكذب، وقلة الصدق؛ فما أقل من يصدق في حديثه، وعلاقاته، ومعاملاته"
وبالقطع الكذب بمعنى قول غير الحقيقة ليس مذموما أى محرما كله والصدق بمعنى قول الحقيقة ليس ممدوحا أى مباحا كله
وتعرض الكاتب لما سماه مظاهر الكذب فى المجتمع فقال :
"من مظاهر الكذب المنتشرة بين الناس ما يلي:
1 الكذب على الله ورسوله": كحال من يفتي بغير علم، ويقول على الله ورسوله الكذب، فيضل، ويضل، ويهلك، ويهلك قال تعالى : [ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون] وكحال من يكذب على رسول الله"فتجد من يكذب عليه؛ للترغيب أو للترهيب، أو لترويج بدعة أو ضلالة، أو غير ذلك قال"في الحديث المتواتر: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار
2 الكذب في البيع والشراء: كحال من ينفق سلعته بالأيمان الكاذبة، ومن يغش المشتري بجودة بضاعته فما أكثر ما يقع هذا بين الناس، مع عظم خطورته وشدة الوعيد فيه قال":اليمين الكاذبة منفقة للسلعة، ممحقة للكسب وقال: من غشنا فليس منا وقال: من غش فليس مني
3 الكذب لإفساد ذات البين: فبعض الناس عياذا بالله لا يهدأ له بال، ولا يقر له قرارحتى يفسد ذات البين، ويفرق شمل المتحابين، فتراه يختلق الأقاويل، وينسج الأباطيل تلو الأباطيل؛ ليفسد بذلك ذات البين، ويحل محلها القطيعة والبين فهذا العمل بلية عظيمة، ورزية جسيمة؛ فكم تقطعت لأجله من شواجر، وكم تفصمت من روابط، وكم تحاصت من أرحام ولا يقوم بهذا الصنيع إلا دنيء النفس حقيرها، فإصلاحه عزيز، والحيلة معه قليلة، وصدق من قال:
لي حيلة فيمن ينم
وليس في الكذاب حيله
من كان يخلق ما يقو
ل فحيلتي فيه قليله
4 الكذب لإضحاك السامعين وتشويقهم: فتجد من يكذب في مجامع الناس ومجالسهم؛ حتى يصدر في المجلس، ولأجل أن يستظرفه الناس، ويستطرفوا حديثه، ويستعذبوه؛ فتراه يأتي بالغرائب، ويغرب في العجائب، ويسوق ما لا يخطر ببال، ولا يدور حول ما يشبهه خيال
5 الكذب للمفاخرة في إظهار الفضل: فهناك من يكذب؛ ليفاخر أقرانه، ويظهر فضله عليهم، فتراه يدعي العلم، ويظهر الفضل، ويتشدق بكثرة الأعمال والإحسان إلى الناس، وهو عاطل من ذلك كله؛ فلا فضل لديه، ولا علم عنده، ولا إحسان يصدر منه، وإنما يكذب في ذلك كله؛ ليظهر فضله، ويفاخر أقرانهومنهم من يكون صاحب فضل وإحسان، ولكنه يبالغ في وصف أعماله، وأفضاله، وإحسانه إلى الناس، مما يدخله في باب الكذب، ويجعل الآذان تمجه، والقلوب تنفر منه
6 الكذب على المخالفين؛ تشفيا منهم ونكاية بهم: فهناك من إذا خالفه أحد، أو كان بينه وبين أحد عداوة بدأ يبحث عما يشفي غليله من هذا المخالف أو المعادي، فتراه يكذب عليه، ويلصق التهم به، ويغري به عند أصحاب المناصب وأرباب الولايات؛ رغبة في إلحاق الأذى بهذا المخالف أو المعادي
7 الكذب المقرون بالحسد: فهناك من إذا رأى أحدا من الناس متفوقا في العلم، أو مترقيا في الفضائل، أو غير ذلك يحسده على ذلك، فيقلل من شأنه، ويرميه بكل نقيصة، ويتهمه بما ليس فيه؛ حتى يصرف الناس عنه، ويشككهم في إخلاصه وصدقه وجدارته
8 الكذب في المطالبات والخصومات: فقل من يصدق حال المطالبات أو الخصومات، وهذا ما يشاهد مرارا وتكرارا عند الخصومات في المحاكم وغيرها، وعند حوادث السيارات، فقل أن تجد من ينصف من نفسه، ويقر بخطئه، بل تجد من يكذب؛ كي لا يكون الحق عليه؛ فيتحمل تبعته
9 الكذب للتخلص من المواقف المحرجة: كحال من يكذب على والديه، أو مدرسيه، أو مسئوليه؛ خوفا من العقاب أو العتاب
10 المبالغة في القول: كحال من يبالغ في تصوير حدث أو قضية مبالغة تجعل السامع يفهم منه أكثر من الحقيقة
11 حذف بعض الحقيقة: كحال من يحذف من الكلام ما لا يروقه، ولا يوافق هواه؛ لأجل أن يصل إلى غاية تهواها نفسه أما من حذف من الكلام ما لا يخدم مصلحة عامة، أو جمع كلمة أو نحو ذلك فلا يدخل في قبيل الكذابين، بل هو مصلح محسن
12 الكذب على النفس: كمن يحاول أن يقنع نفسه بأنه بذل ما في وسعه، واستنفذ كل طاقته، لأداء ما يجب عليه؛ ليسلم من عتاب النفس وتوبيخها، وهو في الحقيقة لم يفعل شيئا من ذلك
13 الكذب لتسويغ الأخطاء: فما أكثر ما يقع ذلك، فهذا يكذب ليسوغ بخله، وهذا يكذب ليسوغ قسوته، وهذا يكذب ليسوغ تقصيره أو إساءته، وهكذا


البقية http://vb.7mry.com/t359177.html#post1825404
 
أعلى