زمن عبدالله السالم فليذهب إلى الجحيم

kkk

عضو مخضرم



زمن عبدالله السالم فليذهب إلى الجحيم

د. غانم النجار

g.alnajjar@aljarida.com

حالما توفي الشيخ عبدالله السالم في نوفمبر 1965، ورغماً عن أنف التوجه الرسمي آنذاك، خرج الكويتيون على بكرة أبيهم لتوديع 'أبوهم العود'، الرجل السمح المتسامح. تذكرته حينها، كيف أننا عندما كنا صغاراً، نلعب كرة القدم في منطقة القادسية، على شارع القاهرة، كان يمر أحياناً، تسبق سيارته الكاديلاك دراجة نارية، فنتوقف عن اللعب، ونلقي عليه التحية، فيطلب من سائقه إبطاء السرعة، ليلقي علينا التحية باسماً مبتسماً كعادته. لا بأس، رحل رجل ندر وجوده إذاً. هي سنة الحياة، ولا رادّ لسنة الله في خلقه.
كنت أتساءل من ضمن المتسائلين لماذا ظهرت علينا محاولة تعتيم رسمية لحقبة عبدالله السالم؟ ولم يتركنا تلفزيون الكويت آنذاك في حالنا، فقد تم بث أغنية جديدة، من أداء فنان الكويت الراحل عوض دوخي، رحمه الله، يقول مطلعها: 'راح وقت المزاح... من يوم جانا صباح'، إشارة إلى الشيخ صباح السالم، رحمه الله، الذي تولى الحكم خلفاً للشيخ عبدالله السالم. لا أعرف من الذي أمر بتأليف أغنية بهذا المعنى، ولا حتى من هو مؤلفها، ولا من لحنها، فهي على أية حال ذهبت في طي النسيان، وكانت مستفزة لمشاعر الناس، ولكن الهدف منها كان واضحاً، بغض النظر عن تهافت الكلمات، فكيف يجرؤ سفيه على وصف حقبة عبدالله السالم بأنها وقت المزاح؟ كان الهدف إذاً هو طمس عبدالله السالم بكل ما كان يعنيه كشخص وإنجازات من الذاكرة الحية، واستبدالها ربما بحقبة جديدة، تقوم على إصلاح الأخطاء التاريخية التي 'اقترفها' الرجل، وأول تلك الأخطاء التاريخية هو الدستور. ولعل محاولة إصلاح ذلك الخطأ التاريخي تلك هي التي أدخلتنا في أزمات متكررة بدءاً من تزوير انتخابات 1967 وحل مجلسَيْ 1975 و1985 والمحاولات المتكررة لتنقيح الدستور. فجعلت من نظامنا السياسي، بطة عرجاء، تغدو ولا تجيء، تراها ولا تراها، يحسبها الظمآن ماءً، فلا ترويه ولا تشفي غليله.
لأمر ما، ارتبطت محاولات طمس الدستور بمحاولات طمس عبدالله السالم، وقد كان لافتاً أن كتاب 'تاريخ الكويت الحديث، 1750-1965' الذي ألفه الدكتور أحمد مصطفى أبوحاكمة، وهو الذي كان مكلفاً من قبل لجنة تاريخ الكويت، أي أنه كان يكتب ما يمكن وصفه بالتاريخ الرسمي للكويت، قد خصص صفحة ونصف الصفحة (فقط لا غير) من أصل 323 صفحة للفترة الواقعة ما بين 1950 و1965، فما هي تلك الفترة يا ترى؟ إنها فترة حكم الشيخ عبدالله السالم. بالطبع في الكتاب الكثير من الإشكاليات، والانحياز الكامل لوجهة النظر الرسمية، ربما يكون لنا عودة إليها مستقبلاً، ولكن الأهم في موضوعنا هنا هو، أنّ تجاهل وطمس عبدالله السالم، كانا، فعلاً يتمّان عن عمد، ومع سبق الإصرار والترصد لغاية وربما لغايات أبعد كثيراً من الجانب الشخصي لرجل جميل كعبدالله السالم.
ولكن من هو عبدالله السالم، وما هي الظروف الحاكمة التي كونت وعيه المتقدم، ومنظوره لمجتمع أكثر تطوراً؟ وما هي أبرز إسهاماته قبل حكمه وبعده، كعلاقته مع العراق، أو قراره التاريخي الخاص بالتثمين، أو مفاوضاته في إنشاء مكتب الاستثمار، أو مفاوضاته مع الشركات النفطية، أو علاقته مع الأسرة الحاكمة أوعلاقته مع التجار وتحييده للشركات الخمس؟ ذلك ما نسعى إلى التعرف عليه في سلسلة مقالات رمضانية قادمة.

التعليق
سهرات رمضان وغانم النجار
وسلسلة جميلة ان شاء الله في تدوين فترة تاريخية
مهمة بتاريخ الكويت..
وماذا اذا كان الشيخ عبدالله السالم
هو الهدف من هذه السلسلة
تاريخ الكويت الحديث الحقيقي هو عبدالله السالم
ولا اريد ان اعلق اكثر
نحن بالانتظار
دكتور!!
تحياتي
 

FahdQ8

عضو مخضرم
د. غانم النجار شخصيه كويتيه رائعه له انجازات على المستوى العالمي من خلال نشاطاته في الامم المتحده ...

متابعة تاريخ شخصيه بحجم عبدالله السالم

يكتبها اكاديمي بحجم د. غانم ...

ستكون بلا شك اهم حدث في رمضان الحالي ...

شكراً تربل ...

وتقبل خالص تحياتي ...
 

kkk

عضو مخضرم






زمن عبدالله السالم
خلافات الأسرة
د. غانم النجار

g.alnajjar@aljarida.com

كيف جاء؟ بل من أين جاء عبدالله السالم؟ ليزرع في أرجاء الوطن الصغير الأمل، ويغسل أكباد الأحبة، ويجعل بلداً صغيراً كالكويت أرحب من العالم وأوسع من الفضاء، وأكثر من النجوم. الطريق طويل وشاق، ربما تعلَّم منه دروساً، ففجأة، ودون مقدمات وجد عبدالله السالم نفسه، ولم يكن عمره حينئذ يتجاوز 29 عاماً، مرشحاً لإمارة البلاد. كان المرشحون لذلك ثلاثة، هو وأحمد الجابر وحمد المبارك.
الزمان فبراير 1921، العدسة مُسلَّطة على الرجل المسجَّى على فراشه حاكم الكويت آنذاك الشيخ سالم المبارك، البلاد في هرج ومرج، الشيخ أحمد الجابر كان قد أوفده الشيخ سالم إلى عبدالعزيز بن سعود أمير نجد والحجاز حينئذ للتفاهم وتخفيف حالة التوتر بين الرجلين بعد وساطات قام بها الشيخ خزعل بن مرداو حاكم المحمَّرة، ولذلك لم يكن مستغرباً وجود كاسب بن خزعل ضمن الوفد.
كان «اللوبي» السياسي يتجه إلى دعم الشيخ أحمد لتولي الإمارة خشية أن يكرر الشيخ عبدالله توجُّه أبيه سالم في ميله إلى العثمانيين.
على أثر وفاة سالم، تحرك الكويتيون وقدموا العرائض إلى الأسرة الحاكمة، مطالبين فيها بإنشاء مجلس شورى، ورشحوا الثلاثة الآنف ذكرهم، شريطة أن يوافق الأمير المقبل على المطالب الشعبية. وصل خبر وفاة سالم إلى بن سعود قبيل مغادرة أحمد الجابر عائداً إلى الكويت، فلحق به ومزق ما تم بينهما من اتفاق: «خلافنا مع عمك، أما أنت فولدنا وما بينّا خلاف». عاد أحمد الجابر فتم إبلاغه المطالب الشعبية وهو في طريق عودته، مع توصية بالموافقة على تلك المطالب، وافق مباشرة فأصبح هو الأكثر حظوة، وتم استبعاد المرشحين الآخرين.
ويبدو أن حرمان الشاب عبدالله من الحكم قد أثر في نفسه، وعلى أثر تلك الحادثة تم خلق مفهوم التناوب بين آل سالم وآل جابر، والذي يتضح أنه قد تبخَّر ولم يعد موجوداً على أرض الواقع الراهن.
لم يكن دخول عبدالله السالم الحلبة السياسية وسط ماكينة خلافات الأسرة بجديد، ففي تلك الحقبة كانت خلافات الأسرة على أشدّها، بلغت أقصاها باغتيال الشيخ مبارك الصباح لأخويه محمد وجراح، وما تلا ذلك من صراعات وحروب بين مبارك ويوسف بن ابراهيم. خلافات تلك الحقبة كانت هي الأشد وطأة وحدَّةً داخل الأسرة، مع أنها تراجعت كثيراً بعد وفاة يوسف بن إبراهيم، إلا أن ظلالها كانت حاضرة.
آثَر عبدالله السالم الانسحاب الهادئ، مكثرا من انزوائه في جزيرته المحببة إلى نفسه فيلكا، أو أبعد من ذلك إلى درة التاج البريطاني الهند. فماذا لو أصبح عبدالله السالم أميراً في 1921؟ هل كان سيصبح هو ذاته عبدالله السالم الذي خبرناه حاكماً متسامحاً مستنيراً عندما تولى الحكم في 1950؟ اختيار عبدالله السالم للانسحاب مدة قاربت 29 عاماً، فترة حكم الشيخ أحمد الجابر، ربما يكون قد أعطاه فرصة للتأمل، وربما صقل شخصيته، وأسفاره رفعت درجة الذوق لديه، وأسهمت في رقته وعذوبته، ولعلها عززت تسامحه، مما انعكس على طبيعة حكمه. صورته المعارضة كانت بارزة عندما رشحه بن سعود ليرأس لجنة الجمارك المشتركة، التي رفضها الشيخ أحمد، ونتج عنها أطول وأقسى حصار اقتصادي من إمارة نجد والحجاز، ومن ثم المملكة العربية السعودية (1932)، عانت من جرائه الكويت الأمرّين، وعادت صورته المعارضة تلك مرة أخرى عند اختياره لرئاسة المجلس التشريعي المنتخب (1938) الذي حله الشيخ أحمد الجابر لاحقاً بالقوة.
وهكذا دخل عبدالله السالم الحلبة السياسية في ظل خلاف حاد داخل الأسرة، يتوارى منه خجلاً ما نعرفه عن خلافات الأسرة الحالية، إلا أن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد.
 

Doctor

عضو ذهبي
أخي الكريم kkk

شكرا على تسليطك الضوء على هذه المقالة والتي تخص أهم فترة حساسة مرت على تاريخ الكويت وهي فترة الراحل باذن الله تعالى عبدالله السالم

باذنه تعالى سوف اكون متابع لهذه السيرة العطرة لابو الدستور عبدالله السالم طيب الله ثراه
 

whahd1

عضو بلاتيني
مقالات جميله اشكرك اخي صاحب الموضوع والشكر موصول للدكتور غانم النجار واترك التعليق بعد الانتهاء من المقالات
 

kkk

عضو مخضرم
د. غانم النجار شخصيه كويتيه رائعه له انجازات على المستوى العالمي من خلال نشاطاته في الامم المتحده ...

متابعة تاريخ شخصيه بحجم عبدالله السالم

يكتبها اكاديمي بحجم د. غانم ...

ستكون بلا شك اهم حدث في رمضان الحالي ...

شكراً تربل ...

وتقبل خالص تحياتي ...
متابع و بقوة..


:)
موضوع ه نجوم وقوي جدا...

شكرا KKK...
تسجيل متابعه ,,, وشكرا على النقل :وردة:
أخي الكريم kkk

شكرا على تسليطك الضوء على هذه المقالة والتي تخص أهم فترة حساسة مرت على تاريخ الكويت وهي فترة الراحل باذن الله تعالى عبدالله السالم

باذنه تعالى سوف اكون متابع لهذه السيرة العطرة لابو الدستور عبدالله السالم طيب الله ثراه
مقالات جميله اشكرك اخي صاحب الموضوع والشكر موصول للدكتور غانم النجار واترك التعليق بعد الانتهاء من المقالات
شاكر مرور الجميع العطر.....من عشاق الكويت وتاريخها
:وردة::وردة::وردة:
تحياتي
 

كويتي خالص

عضو بلاتيني
يعطيك العافية يالحبيب ...

فعلا هي دروس وعبر وتاريخ ...لم يقرأه الكثيرون للأسف ...

شاكر جهودك الطيبه يا طيب ...
 

noor2009

عضو مميز
موضوع قيم و رائع
متابعة بشده
جدتي الله يرحمها دايم تقول ما في أحسن من أيام عبد الله السالم
و أمي لازالت تدعي الله يرحمه ما في اطيب منه و الدعاء مستمر لجميع الصباح جابر و سعد
و على فكره كل حاكم لما يبدأ حكم جديد يكون معاه تغيير جديد و بعد انتهاء حكمه تظهر فضائله
و ننسى أي شي لأنهم بالأساس أطيب حكام و الحمد لله على النعمة
 

kkk

عضو مخضرم
زمن عبدالله السالم التكوين

د. غانم النجار

g.alnajjar@aljarida.com

تولى الشيخ عبدالله السالم الإمارة رسمياً في 25 فبراير 1950، وكان الشيخ أحمد الجابر قد تعرض لأكثر من ذبحة صدرية في السنتين الأخيرتين من حكمه، تم نقله في إحداها إلى مستشفى بعبادان- إيران للعلاج حيث توجد أكبر مصفاة نفطية في العالم، إلا أنه توفي وانتقل إلى رحمة الله في آخر الأمر في 29 يناير 1950 بعد حكم قارب 29 عاماً، أما لماذا تأخر اعتراف الإنكليز بعبدالله السالم قرابة الشهر فلذلك حديث آخر.
من المهم التوغل في تكوين شخصية عبدالله السالم الإنسان، فقد أدى 'انسحابه' من المشاركة في الحكم، بسبب خسارته لمقعد الإمارة عام 1921 إلى التفرغ للسفر والترحال وربما التأمل. يقول الشيخ عبدالله الجابر رحمه الله في تسجيل لمقابلة لم يتم بثها عن عبدالله السالم إنه 'ما يهمه إلا يونس نفسه' معتبراً ذلك من النقائص 'قد يجوز' أن عبدالله السالم كان كذلك، كما أنه 'قد يجوز' أن الحاكم الذي يحرص على أن 'يونس نفسه' يحرص كذلك على أن 'يونس شعبه' أو يريحه. ربما كان ذلك الانطباع الذي تكون عبر السنوات هو التحول الذي جعل عبدالله السالم أقل تزمتاً، وأقل تمسكاً بالحكم، وأكثر قابلية للتنازل، والتعامل مع الأشياء بمرونة كبيرة، أقول، ربما، فليس كل حريص على 'وناسة نفسه' بالضرورة مكترثاً ومهتماً بوناسة الآخرين.
مرحلة التكوين السياسي والنفسي لعبدالله السالم بدأت منذ 1921، فبعد خسارته لمقعده في الإمارة، توالت الأحداث على الكويت، فكان أبرزها مؤتمر العقير 1922، الذي خسرت الكويت بموجب قراراته ثلثي مساحتها، بسبب تواطؤ بريطانيا وميلها لصالح إمارة نجد والحجاز ومملكة العراق. وقد نتج عن ذلك الترسيم الحدودي المجحف بحق الكويت بروز مشكلة الجمارك على البضائع الواردة من الكويت إلى نجد بما عرف حينئذٍ 'بالمسابلة'، فرسوم الجمارك الكويتية هي الأقل في المنطقة وتعتمد عليها البلاد في تجارة الترانزيت. وبالمقابل كان ذلك الوضع يؤدي إلى خسارة بن سعود لدخل كبير من الجمارك المفقودة، وعبثاً حاول أن يصل إلى حل، حتى إنه اقترح تعيين لجنة لتحصيل الجمارك لابن سعود في الكويت يترأسها عبدالله السالم، إلا أن أحمد الجابر رفض ذلك المقترح، ما أدى إلى فرض حصار اقتصادي على الكويت كان له التأثير البالغ على حركة التجارة في الكويت. إلا أن أبرز محطة في تكوين عبدالله السالم السياسي والنفسي ربما كانت قد تمت من خلال رئاسته للمجلس التشريعي سنة 1938، وهو أول مجلس تشريعي منتخب في تاريخ الكويت، وكان يحمل توجهاً متوتراً مع الشيخ أحمد الجابر، فجاءت رئاسته للمجلس تعييناً، لتخفف حدةَ التوتر، وتكبح جماح بعض أعضاء المجلس من جهة، كما أنها أعطت مؤشراً آخر لتوتر العلاقة بين الشيخين عبدالله وأحمد من جهة أخرى، بعد أن حلّ الشيخ أحمد الجابر المجلس التشريعي بالقوة ثم سجن بعض أعضاء المجلس ومناصريه مدة أربع سنوات ونصف، وهم: عبداللطيف ثنيان الغانم، وسيد علي سيد سليمان الرفاعي، ومشعان الخضير الخالد، وصالح عثمان الراشد، وسليمان العدساني، ويوسف المرزوق، كما قُتل محمد القطامي وأُعدم محمد المنيس رحمهم الله جميعاً، ولندلل على تكوينه السياسي، وجدنا عبدالله السالم بعد توليه الإمارة يفسح لأعضاء المجلس، بل لن نجد ترابطاً في الأحداث أكثر دلالة من أن عبداللطيف ثنيان صار رئيساً للمجلس التشريعي الذي أصدر الدستور عام 1962، والذي يظهر في الصورة التاريخية الأكثر تداولاً وهو يسلم عبدالله السالم نسخة الدستور، وهو ذات الشخص الذي كان مسجوناً قبل 23 عاماً.
لاشك في أن الأحداث وتداعياتها التي سبقت توليه الحكم أسهمت إلى حد بعيد في صقل شخصيته، وتوجيهها ضمن مرجعية معينة، فلم يكن مستغرباً دعوته المبكرة إلى الانتخابات بعد توليه الحكم مباشرة، إذ طبق مبدأ الانتخابات للمجالس المتخصصة كالمعارف والبلدية والأوقاف سنة 1951. وربما كان ابتعاده عن السلطة قرابة 29 عاما جعله أقل تمسكاً بالسلطة، إذ أعلن للمقربين رغبته الجادة في الاستقالة في السنة الثانية من حكمه... فلماذا أقدم على تلك الاستقالة؟
 

kkk

عضو مخضرم
زمن عبدالله السالم
محمد الرشيد والباخرة دوراكا


د. غانم النجار

g.alnajjar@aljarida.com

للنائب السابق محمد الرشيد منزلة كبيرة في نفسي، وبيني وبينه مواقف عديدة أظهرت معدنه الوطني المستقل ودقته في نقل الأحداث وحرصه على حفظ كل ورقة وتسجيله لكل حدث، وأظن أن في مكتبته ثروة وثائقية لا تقدر بثمن، وأتصور أن يكون الأخ د. أنس الرشيد يعمل على تبويبها، ومنذ أن تكونت بيني وبينه علاقة في سنة 1980 كأحد مصادر بحثي لرسالة الدكتوراه استمرت عبر محطات عدة في أيام ديوانيات الاثنين، وتصادف وجودنا سوياً أثناء زيارتنا للأسرى الكويتيين في بعقوبة أيام الغزو، حيث سرت معه يداً بيد نتحدث إلى الأسرى. ولكن ما هي علاقة محمد الرشيد بحديثنا عن عبدالله السالم؟
في سنة 1984 بدأت بكتابة زاوية على الصفحة الأخيرة بجريدة 'الوطن' بتوقيع 'كويتي عتيج' أثارت حينئذٍ جدلاً واسعاً وردوداً كثيرة، واستمرت تلك الزاوية على مدى سنتين، وتوقفت عن النشر بعد حل المجلس سنة 1986 وفرض الرقابة المسبقة على الصحافة، إذ لم تكن كتابات كويتي عتيج من النوع الذي تسمح به الرقابة آنذاك. كان من ضمن الردود المهمة والدقيقة جداً مقالة نادرة للعم محمد الرشيد يعقب فيها على مقال لكويتي عتيج حول ظروف تولي الشيخ عبدالله السالم للحكم.

عندما توفي الشيخ أحمد الجابر في 29 يناير 1950 كان عبدالله السالم في مسقط للتباحث مع السلطات العمانية حول شحنة ذهب كما قيل حينئذٍ. وقد أثارت مصادفة عدم وجود عبدالله السالم في الكويت تحفز الإنكليز، وتخوفهم من حدوث مشاكل في الكويت، بل إن الأوامر أعطيت لتحريك قطعتين بحريتين للتعامل مع ذلك الاحتمال، الذي كان احتمالاً غير مستند إلى أساس.
ويروي العم محمد الرشيد رحلته على الباخرة دوراكا القادمة من الهند والتي كان على متنها مصادفة ونقلت عبدالله السالم من مسقط إلى الكويت، إذ يقول:
'كنا في الباخرة دوراكا راجعين من الهند إلى الكويت وفي صحبتي حمد بوقريص وناصر الوهيب ويوسف أحمد الصقر وعبدالله العبدالوهاب المرزوق، وبصحبته زوجة عمه المرحوم محمد المرزوق الداوود... وقد وصلنا إلى مسقط عصر الجمعة 27 يناير 1950، وعلمنا أن الشيخ عبدالله السالم سيسافر معنا في الباخرة، وفعلاً وصل الشيخ عبدالله في التاسعة مساءً وبمعيته الشيخ عبدالله الخليفة وأحد الخدم واسمه عبدالله، كذلك وصل المقيم السياسي البريطاني ومعه زوجته وابنتاه وسكرتيره وزوجته، وغادرت الباخرة إلى البحرين التي وصلنا إليها بعد الظهر وكان الهواء شديداً جداً. وأقمنا في البحرين من يوم السبت 28 يناير حتى الاثنين 30 يناير 1950، وكان الهواء لايزال شديداً جداً... وكان عبدالله السالم طوال هذه الأيام يمرح مع حمد بوقريص، ومشت الباخرة من البحرين مساء 30 يناير متجهة إلى رأس تنورة و'في المساء' جاءنا عبدالله المرزوق ليخبرنا بوفاة الشيخ أحمد الجابر، إذ وصل الخبر عن طريق برقية بعث بها 'رئيس الخليج' إلى الشيخ عبدالله السالم ثم برقية ثانية من عبدالله ملا صالح وتوالت البرقيات، وفي الصباح ذهبنا إلى عبدالله السالم في حجرته وعزيناه وكان يرد علينا بكلمة الدوام لله كل حي ميت ولم يطلع من الحجرة بتاتاً بعدما علم بوفاة أحمد الجابر. وفي صباح 31 يناير وصلنا إلى رأس تنورة وأقمنا فيها إلى ما بعد الظهر، وغادرناها ووصلنا إلى الكويت صباح الأربعاء 1 فبراير، وعند وصولنا إلى الكويت حضر الشيوخ جميعهم إلى الباخرة، ونزل عبدالله السالم ومن معه وتوجهوا إلى الرصيف القديم في الشويخ، لأن الماية كانت قراح 'أقصى الجزر' في 'النقعة'. انتهى كلام محمد الرشيد.

ربما كانت رواية العم محمد الرشيد عن رحلة عبدالله السالم هي فريدة من نوعها بتفاصيلها، نسأل الله الشفاء والعافية للعم محمد الرشيد وجزاه عنا خير الجزاء لما أسهم به في خدمة هذا الوطن، كما أنها مناسبة في السياق لتذكر العم محمد الرشيد، بل إن التفاصيل قد تعطي لمحة عن طبيعة التغير الذي طرأ على المجتمع.
هكذا إذاً عاد عبدالله السالم، وخابت تقديرات الاستخبارات البريطانية عن احتمال حدوث صدام حول الحكم بسبب غياب عبدالله السالم، كما خابت تقديراتها في أن الخلاف بين الشيخ عبدالله المبارك والشيخ فهد السالم سيتحول إلى نزاع مسلح. لم يحدث شيء من هذا القبيل، بل لم يكن هناك من بين الشيوخ من نافس عبدالله السالم، وكان نقلاً هادئاً للسلطة، إلا أن الأزمة التي لم يكن عبدالله السالم يتوقعها حدثت مع الإنكليز الذين عطلوا وأخروا اعترافهم به، فكيف حدث ذلك، ولماذا؟

 

ياسين الحساوي

عميد الشبكة "مشرف "
طاقم الإشراف
ألأخ// kkk
متابع حريص لمقالات د.النجار الشيقة والمفيدة تاريخيا..وسأعلق عليها فى نهايتها إنشاء الله..
شكرا لمجهودك القيم..
 

kkk

عضو مخضرم
ألأخ// kkk
متابع حريص لمقالات د.النجار الشيقة والمفيدة تاريخيا..وسأعلق عليها فى نهايتها إنشاء الله..
شكرا لمجهودك القيم..
شاكر مرورك الكريم:وردة::وردة:
ونحن بالانتظار .......
تحياتي
 

kkk

عضو مخضرم
بانتظار البقية..
وإذا كان لا يوجد بقية..أرجو أن تعلمنا أخى kkk

مع الشكر.
ان شاء الله هناك بقية....حسب ما فهمت من اخر جملة بالمقال السابق
ونحن بالانتظار......
وشاكر حرصك:وردة::وردة:
تقبل تحياتي
 

kkk

عضو مخضرم
زمن عبدالله السالم
تحديات الأيام الأولى



د. غانم النجار

g.alnajjar@aljarida.com

ربما كان عبدالله السالم من النوع الحالم، ولعله لم يكن يتصور أن يأتي إليه الحكم يوماً ما، فـ 29 عاماً في الانتظار هي زمن طويل. وعندما تولى الحكم، كان أكثر زهداً فيه مما ينبغي، وحتماً ساعد ذلك في مرونته، وانفتاحه، يضاف إلى ذلك سعة أفقه، وثقافته، واحتكاكه بتجارب الشعوب الأخرى في الحكم، من خلال سفره المتواصل، ومكوثه مدداً طويلة في الخارج. وكما أشرنا، فلو أصبح عبدالله السالم حاكماً سنة 1921، وكان حينئذٍ يبلغ من العمر 29 عاماً، لكان على الأرجح شخصاً مختلفاً عن الشيخ عبدالله السالم الذي حكم مضافاً إلى عمره 29 عاماً في سنة 1950. من يدري؟ وعلى أية حال لعبة التاريخ بطريقة ماذا لو، ماذا كان سيحدث لو كان كذا، هي لعبة غير مجدية، إلا في فتح الباب للتساؤلات والتأمل.
المفاجأة التي لم يتوقعها عبدالله السالم في بداية حكمه كانت اصطدامه بالإنكليز. ففي ذلك الحين كانت الكويت ترتبط باتفاقية حماية مع بريطانيا العظمى، والتي كانت عظمتها تترنح حينذاك، وهي وإن كانت لا تتدخل مباشرة بالشأن الداخلي الكويتي، فإنها تؤثر بدرجات متباينة في مسارات السياسة. ولكن لماذا لم يكن عبدالله السالم أثيراً ومحبوبا لدى حكومة صاحب الجلالة؟ ولماذا تأخر الاعتراف البريطاني به حتى 25 فبراير؟
كان واضحاً أن هناك موقفاً عدائياً، أو فلنقل 'غير ودي'، قد تشكل في الذهنية الإنكليزية تجاه عبدالله السالم منذ أواخر الثلاثينيات. كان ذلك الموقف يرتكز في مجمله على أن عبدالله السالم معادٍ للنفوذ البريطاني، وأنه موالٍ للنازيين. ويستند ذلك الموقف البريطاني إلى أن لعبدالله السالم علاقة وثيقة مع ناشطين كويتيين إبان الثلاثينيات، صنّفتهم الاستخبارات البريطانية على أنّهم من مؤيدي النازية، ولذا فقد وُضِع في ذات الخانة، وتفاقم ذلك الأمر أثناء معركة المجلس التشريعي 1938 و1939.
أظن أن عبدالله السالم فوجئ بشروط بريطانية للاعتراف به أميراً على البلاد. وتلخصت الشروط بثلاثة أمور: الشرط الأول كان تعيين ولي للعهد، أما الشرط الثاني فكان تعيين مستشارين إنكليز في أجهزته الحكومية، والشرط الثالث كان إبعاد السكرتير الخاص للأمير عزت جعفر، رحمه الله، عن 'القصر'. الشروط التي نقلها السيد بوروز، كانت مزعجة لعبدالله السالم. فالأسرة الحاكمة لم تكن معتادة على تعيين أو تسمية ولي للعهد، ولم يكن عبدالله السالم في وارد قبول ذلك الشرط، أما إبعاد السكرتير الخاص فقد اعتبره أمراً مبالغاً فيه، ومن غير المنطقي قبوله، فلم يناقش الشرطين بأي صورة من الصور. أما الشرط الثالث فقد اشترط الشيخ على الإنكليز أن يعيّن خبراء لا مستشارين. فالفارق بينهما في ذهنية عبدالله السالم كبير. كانت تسمية مستشار بالنسبة له تستدعي تجربة المستشار البريطاني بلجريف لدى حكومة البحرين، الذي كان يتمتع بصلاحيات واسعة في شؤون الدولة. لذلك كان شرطه بأن يتم تعيين خبراء وليسوا مستشارين حسب حاجة حكومة الكويت، ويكون تعيينهم بعقد محدد المدة الزمنية، وتكون من صلاحيتها إنهاء خدمات ذلك الخبير حسب إرادتها.
يبدو أن تلك الفترة الحرجة من أيام عبدالله السالم الأولى، كانت أيام اختبار أعصاب. كان لافتاً أيضاً أن الرجل تصرف بهدوء واتزان، ورفض الشروط البريطانية بعقلانية. وكان لافتاً أيضاً أن برودة أعصابه قد تفوقت على برودة الأعصاب الإنكليزية المعروفة، الأمر الذي اضطرهم في نهاية الأمر الى الموافقة على الاعتراف به حاكماً على الكويت، ثم تحديد عيد جلوسه في 25 فبراير 1950، الذي أصبح لاحقاً هو العيد الوطني للكويت. ولعله أمر مستحق أن يكون عيد جلوس عبدالله السالم هو عيد وطني للكويت. إذاً، تجاوز عبدالله السالم المطب الاول، وفاجأ الجميع بمهارات تفاوضية متميزة، إلا أن المطبات والتحديات لم تنته فمازال طريقه وعراً.
 

kkk

عضو مخضرم
زمن عبدالله السالم
المأزق اللئيم
د. غانم النجار

g.alnajjar@aljarida.com

كان من المفترض أن تكون سلسلة مقالات رمضانية، إلا أن المتابعة اللصيقة من القراء والأصدقاء وإصرارهم على المزيد قد يدفعنا إلى الاستمرار فيها حتى حين. والحق يقال إن هذا النوع من الكتابة يخرجنا من دائرة الحدث اليومي اللئيم في السياسة الكويتية، إلى أفق أرحب وأكثر حرية، وربما أكثر دلالة، إذ أصبح الحدث اليومي مثل 'الستريت جاكيت'، وهو الرداء الذي يُرغَم على لبسه المجانين لإعاقتهم عن الحركة، مملاً وكريهاً، ويميل إلى الغباء بعض الشيء، فالأحداث مكررة، والأشخاص بهلوانيون، والحكومة أراجوزية 'مردمية' النزعة، والمجلس ممشة زفر، والحرامية محترمة، والطائفية والقبلية والفئوية أصبحت تسود الموقف، والفساد هو الأمر الطبيعي، فأعان الله بلادنا الصغيرة التي جعلها ساستنا تشيخ (أي تصبح كبيرة في السن ولاعلاقة للعبارة بالشيوخ) وهي في سن الشباب والنضج.
فحديثنا عن زمن عبدالله السالم هو عن الحاضر كما هو عن الماضي، ومن يُرِدْ أن يبحث في طياته عن إسقاطات مرتبطة بالحاضر الذي نعيشه فسيجد ضالته، أما من يريد أن يتصور أنه كان زمناً جميلاً لاغبار عليه، ويقف عند ذلك، فإنه سيضل الطريق وسيضيع الجادة.
فلنأخذ مثلاً إنتاج وصناعة الدستور، الذي قد يراه البعض إنجازاً خالصاً للشيخ عبدالله السالم، والحقيقة هي غير ذلك، فيصح أن نقول عن عبدالله السالم إنه كان 'أبو الدستور'، كما يصح فعلاً أن نعتبر عبدالله السالم الشخصيةَ الأبرز في إنجاز الدستور، ولكن الحقيقة هي أن صناعة الدستور كانت عملية مجتمعية، سياسية، إقليمية، دولية، تفاعلت لتحقيقها مكونات وظروف عديدة، سنفصل فيها لاحقاً.
إذاً، في الشأن السياسي، كان عبدالله السالم جزءاً من كل، صحيح أنه كان العنصر القائد، الذي جاء في مرحلة تحول اجتماعي عارمة، فكان القائد المناسب في الوقت المناسب دون مبالغة ودون تقليل. أما في الجانب الشخصي فقد كان الرجل شخصية فريدة من نوعها في زمن فريد. على المستوى الشخصي كان له امتدادات ورؤى ومنافذ ومداخل على الشعر والفن والتسامح والتركيز وبعد الأفق واختيار البطانة الصالحة. وفي تحليل زمنه الذي امتد من 1950 إلى 1965 لايمكن منهجياً الفصل بين الخاص والعام، وبين الشخصي والسياسي، وعلينا أن نفهم تلك المعادلة لكي نستوعب ذاك الزمن.
خلال زمن عبدالله السالم تمت واتخذت قرارات لا تقل خطورة وأهمية عن صدور الدستور، وعادة لا يلتفت الناس إليها ولا يعطونها الأهمية التي تستحق، مع أن تلك القرارات هي التي تؤثر في معاشهم وحياتهم اليومية وربما مستقبلهم، وفي ظني، أن دور عبدالله السالم، في تلك القرارات كان أكثر فاعلية وتأثيراً، خصوصاً أنها صدرت في زمن كان فيه هو الحاكم المطلق. خذ مثلاً قراره الأخطر القاضي بتأميم الأراضي سنة 1954، أو قراره الأخطر في بناء محطات تقطير المياه من البحر بدلاً من جلبها من شط العرب خاصة، وكيف خالف شبه اتفاق شعبي يقضي بجلب الماء من العراق. وهكذا سنسعى إلى إلقاء الضوء على كل حكاية على حدة في محاولة للفهم لا للتجني، أو للتمجيد، فكم ضاعت فرص جميلة بسبب قصور في الفهم أو استعجال، أو حماس زائد، أوعقائدية مبالغ فيها، أو تقديس لشخصية هنا أو هناك. فلنركز، ولنفهم، ولنستخلص الدروس، لعل وعسى أن نجد مخرجاً للمأزق اللئيم الذي نعيشه في حاضرنا. ونسأل الله العفو والعافية.
 
أعلى